أسامة مهران يكتب: الذين يأكلون على موائد المشاهير
بقلم: أسامة مهران
عندما يغيب الإنصاف، وتخلو الساحة من الحقيقيين، يتسلل إلى المشهد بعضُ الذين اعتادوا الجلوس على موائد المشاهير، حتى أصبحوا لصيقين بهم في حياتهم، وصاروا حاملي حقائبهم، وخدمًا ضمن حاشيتهم.
وعندما فارق مشاهيرنا الحياة؛ أدباء أو فلاسفة، شعراء أو نبلاء، فقهاء أو علماء، رجال دين أو أساقفة، بدأنا نرى بعض الذين رافقوهم، وكانوا يحاولون أن يكون لهم مكان في بلاط الإبداع والشهرة. وقد تنازلوا عن طريقهم الذي كانوا قد بدأوه في خوالي أيامهم، ليتفرغوا للكتابة عن هؤلاء العمالقة الراحلين، وينسون أن لديهم تجربة واعدة، وأنهم لو ركزوا عليها بدلًا من تركيزهم على أصحاب الصون والعفاف، لأصبحوا اليوم خلفاء راشدين لهم، وأئمة معصومين في زمانهم، وقادة أجلاء لبلادهم.
لكن ماذا نقول؟ إنها حمى الاستسهال، والرغبة في الوصول السريع، وسط سباق حامي الوطيس في ساحات الكسب الرخيص، وبطولات المسابقات الهابطة.
صحيح أن للمؤرخين جليل عطائهم، وضرورة بل حتمية وجودهم، وأننا لولا المؤرخين ما تعرفنا على ظرفاء ذلك الزمان، ولا على شعراء الأزمنة المتلاحقة في تاريخنا العربي “المجيد”.
إنما الصحيح أيضًا أن الأصوات الدخيلة على عملية الإبداع، عندما اختلطت بالأصوات الأصيلة، كان لا بد للزمن أن يلعب لعبته الكبرى، ويجري عملية الغربلة الصادقة.
عندئذ جاءت كلمة “الغربال” الفاصلة، فتساقطت من فتحاته الأصوات الدخيلة، واستقرت بين جنباته الأصوات الأصيلة.
هذه الكلمات كان قد كتبها لي الراحل الكبير صلاح عبد الصبور أثناء إحدى زياراتي له في مكتبه بـالهيئة المصرية العامة للكتاب، عندما كان رئيسًا لها عام 1980. وبالفعل، لم تكذب نبوءة الشاعر أبدًا؛ إذ كان لا بد لمن تساقطوا من فتحات الغربال أن يبحثوا لأنفسهم عن دور، وعن دورٍ لأدوارهم الهامشية التي ارتضوا بها، فلعبوها بكل فخر وتباهٍ، ولم يندموا.
ربما أضاعوا فرصة عمر، أو أهملوا نعمة من عند الله؛ لأنهم لا يمتلكون شجاعة مواجهة الجمهور إلا بسلطان. ولم يكن في زماننا هذا أسهل من استئجار رغبة محمومة للالتصاق بحاشية سلطان يسعى دائمًا إلى زيادة أعداد جوقته ومريديه، والذين يصفقون له على طول الطريق، بعد رحلة معاناة طويلة في سبيل نقش أسمائهم بأحرف من نور على برديات أو جداريات النشر المتاحة.
عزائي، بل وسعادتي، أن هؤلاء القابعين في قاع الحركة الثقافية لهم الطفو على سطح المشهد الأدبي من جديد؛ ليس من خلال قصيدة فائقة الجودة، أو رواية شديدة التفرد تحاكي عصر ما بعد الإنسان، أو أغنية تلهب مشاعر الجماهير فتظل تتردد حتى تثبت في ذاكرتهم الجمعية، وتحلو لهم في السراء والضراء، وكأنهم يعيدون استنساخ الزمن الجميل ببعض عبارات خالدة لشاعر لم يمت، وآخر قد فارق الحياة.
لكن أيًّا منهما، أو كليهما، ظلّا على موقفهما الثابت من الذين صعدوا من القاع ليهبطوا من السماء، مرددين:
“آه يا من كنت صديقي وأصبحت عدوي، ليتك ما كنت صديقي، فقد كنت عدوي.

