نافذة

الإنسان بين الحقيقي والمزيّف

بقلم: أ.د. منصور العالي – رئيس الجامعة الأهلية

سبحانك يا رب، سبحانك يا الله. صورة طبق الأصل، وأصل يطابق الصورة، فأيهما الحقيقي وأيهما المزيّف؟ أيّهما من صنع العقل البشري، وأيهما القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

إنها أسئلة تقف على حافة مرحلة جديدة، وكأنها تؤشر إلى نهاية عصر وبداية آخر، أو كأنها تطلق إنذارًا شديد اللهجة لكل من ينخرط في صناعة المحتوى، ويندفع نحو ما يسمى بتقنية التزييف العميق (Deepfake) و (ChatGPT).

في هذه اللحظة يفقد الناس الثقة ببعضهم البعض؛ فالصورة صورة، لكن الأصل ليس أصلًا، والحابل يختلط بالنابل، والحقيقي يتماهى مع المزيّف، والمصنوع بيد الإنسان وعقله الطبيعي يتقاطع مع ما تنتجه خوارزميات ضبابية وواجهات معتمة.

لقد أصبح الإنسان أكثر ميلًا لتصديق كل ما يصله من معلومات بسهولة، حول هذا وذاك، دون أن يكترث إن كان ما يقرأه أو يشاهده مجرد غش واضح، أو تقليد أعمى، أو تزوير متعمد للحقائق.

ويبقى السؤال الجوهري: كيف نحمي أنفسنا من الذكاء الاصطناعي رغم قدراته الباهرة وفتاواه الدقيقة؟ إنه سؤال وجيه، لكنه مطروح اليوم بحدة أكبر، بالقدر نفسه الذي تُطرح فيه تقنيات مثل (ChatGPT) وبحدة أشد مع تنامي تقنية التزييف العميق. بل وربما يزداد عمقًا حين يفسر لنا “حوت اللحظة الإلكترونية” كيفية حصوله على المعلومات كتلة واحدة ثم تجزئتها، أو قلب الصحيح إلى نقيضه.

هذا واقع يتطلب تعاملًا حكيمًا، يرفض الاستنساخ الأعمى، ويُصر على التحقق من مصادر الإلهام، والبحث عن التراتبية البشرية الحقيقية في مواجهة التراتبية الاصطناعية. وهنا نعيد طرح السؤال الأصعب: كيف يمكن للإنسان أن يحمي نفسه في هذه اللحظة الإلكترونية التي يختلط فيها الحقيقي بالمزيّف، والأصلي بالمصطنع، والطبيعي بالصناعي؟

إن تقنيات (ChatGPT) تدّعي أن مواجهة التزييف لا بد أن تقترن بشفافية غير مسبوقة، وأن يعترف مستخدمو أدوات الذكاء الاصطناعي – سواء في الإعلام أو التعليم أو في حياتهم الشخصية – بشكل واضح إذا ما كانوا قد استخدموها في إنتاج محتوى معين.

كما أن التطور يفرض علينا تطوير أدوات ذكية مضادة، قادرة على كشف المحتوى المزيف أو المصطنع، تمامًا كما نستخدم برامج مكافحة الفيروسات والاختراقات الإلكترونية.

وعن طريق “الهاكرز” و”الهاكرز المضاد” يصبح لزامًا علينا التفكير في حلول متوازنة. أما التراتبية الرقمية – وهو مصطلح وافد من تقنيات (ChatGPT) – فلا بد أن تلعب دورًا في تعليم الناس، وخاصة الأجيال الجديدة، كيفية التمييز بين الحقيقي والمصطنع، وكيفية بناء الثقة وفق معايير جديدة ترتبط بالنزاهة التقنية وغيرها.

وفي جانب آخر، تبقى التشريعات الحامية ضرورة ملحة. يجب أن تدخل قوانينها حيز التنفيذ فورًا، عبر إصدار لوائح ملزمة لحماية المجتمع من تسلل المعلومات المزيفة، ومن كل ما يجافي الحقيقة عبر شبكات وخوارزميات مصممة عمدًا لاختراق حياتنا، وتشغيل “كتائب تزييف” بشرية مسلحة بآليات الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، ما زلنا نفتقد إلى التوعية الإعلامية الجادة والتحذير المستمر من أجهزة الصحافة والإعلام المختلفة، فمن الضروري فحص المعلومات التي تصلنا بين الحين والآخر، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) أو من خلال بعض المنابر الإعلامية المتنوعة وغير المهنية، التي أسهمت عمدًا أو بضعفها المهني في تغييب المجتمع الحقيقي لصالح مجتمع مزيّف.

من هنا كان لا بد من تحكيم العقل البشري الطبيعي، وإقحامه في هذا المعترك التكنولوجي الجديد. فلا غنى عن تدخل الإنسان، بروحه الرحبة ومشاعره الفياضة، باعتباره مربط الفرس المستدام، وبعزم قلمه الحيّ الذي يمكّنه من ارتياد سدة الذكاء الاصطناعي، شرط ألا نستسلم لهذه التقنية ولا نسمح لها بقيادتنا، بل علينا أن نعترف بضرورة أن نوجّهها نحن.

فلا يصح أن نبحث عن معلومة لا تؤثر، ولا عن معرفة سطحية لا تحفر مجراها داخل النفس البشرية. إن الذكاء “المصنوع” لا يكفي وحده، بل إن امتزاجه بالعقل البشري المفعم بالروح والمشاعر الفياضة هو ما سيصل بنا إلى المستقبل المنشود، وهو ما سيطور علومنا وفنوننا وآدابنا. أما تلك “المكملات الغذائية الفكرية” فلن تمنح الجسد المريض سوى معرفة عابرة، قد تفي بالغرض مؤقتًا، لكنها لا تترك أثرًا ولا تخلّد.

هذا المقال منقول من موقع تقرير البحرين

وللدكتور منصور العلي باب خاص بكل مقالاته في موقع صوت الأهلية

اقرأ ايضا:

دكتور منصور العالي يكتب:كل المراحل

زر الذهاب إلى الأعلى