مقالات

الناقد أحمد فرحات يكتب: أحلام ذاكر

بقلم: أحمد فرحات

عبر الراوي العليم الذي يستعين بتقنية تيار الوعي نتحسس قدرة المؤلف على خلق منظومة روائية متكاملة يحدد من خلالها معاناة شخصيات ذاكر وهبة وأمل كشخصيات رئيسة في رواية “أحلام ذاكر” للدكتور طارق الزيات، ونتابع معه بشغف قوي غرس فكرتي الترقب والوصف ينخرط فيها ذاكر بأحلام تأتيه عند أذان الفجر غالبا، عن طريق رجل سبعيني شبه وهمي، يزوره في الأحلام ويطلعه عما يجب عليه فعله تجاه بعض الشخصيات. حتى يمر ذاكر نفسه ببعض المواقف التي تضطره ينتظر تعليمات الرجل السبعيني الذي يزوره في الأحلام، ولكنه لا يستطيع مساعدته مع والده، أو أحد أصدقائه المقربين.

يلتقي ذاكر بالشخصية المراد له رفع الألم عنها، عن طريق تشابك الأيدي وانحناء الأصابع فوق اليد الآخرى لتخرج منه طاقة مهوله ترفع الألم والوجع عن الشخص المراد. ففي الفصل الأول يغرس المؤلف هذه الفكرة لدى القارئ.”التف ذاكر ناحية الرجل، ومد يده اليمنى، فأمسك الرجل كفه وشبك أصابع كفه اليمنى بكف ذاكر في هدوء منقطع النظير، وقال له الآن-يا ذاكر- تستطيع أن تزور أحلام الناس أصحاب الحاجات، وأن تحققها لهم. أنت الآن سفير تفتح له كل الأبواب. هيا بقدرة الله –سبحانه وتعالى- حلق غب ليالي المرتجين المتأملين لبعض شذرات السعادة.

وفي هذا المشهد الروائي الحركي الذي تتجلى فيه محاولة د. طارق الزيات تأمين الفكرة ميتافيزيقيًا حتى لا تصطدم بعقل القارئ، ولا معتقده؛ فيؤسس لقدرة خارقة، يشرعنها دينيًا، يكسوها بطقس رمزي، ويزرع فكرة المخلّص الفرد.
وعبر طقس رمزي تتكرر هذه المحاولة لتخليص من يشعر بالمعاناة من ألمه ووجعه، ولعلنا نلحظ زمان الحلم الذي يوافق أذان الفجر، وما له من رمزية دينية مقدسة، في سكون الليل تختبي الأحلام، يعبر من خلال نسق المفاجأة غير المتوقعة يزور امرأة مسنة ليكشتف أنها أمل التي سوف يحبها ويتزوجها، وينجب منها عماد.

والغرض من توظيف تقنية تيار الوعي في الرواية الجديدة-كما يرى ديفيد لودج- أنه أسلوب جديد قدمه الروائيون، بهدف خلق بطل من نمط جديد، منغمس بذاته، يختلف عن البطل المتأثر بما حوله، وهو يرى أن تيار الوعي موجود فينا جميعا كحقيقة وجود المجتمع نفسه، فقام الروائيون باكتشافه وتجديد أهميته.

يركز د. طارق الزيات على عادات المجتمع وتقاليده، وتحليل النفس البشرية، وعلى المراقبة والوصف اللذين يشكلان عنصرين أساسيين في مفهوم الرواية. فيقول على لسان الراوي العليم: اشترى بعض الترمس من بائع متجول، وجلس مواجها للنيل، وانشغل بمتابعة مراكب الصيادين الصغيرة، إنه أمر لافت للنظر، أن الصياد وزوجته وابنه يخرجون معا، المرأة تطهو الطعام، بينما زوجها يصطاد. الطفل يلهو في هذه المساحة الضيقة المتاحة على السطح الفسيح للنيل. ما هذا الذي حدث لي اليوم ؟ لم أعد قادرا على البوح لمن أبوح بسري المزعج؟ ..

لعلنا نلاحظ تردد الضمير بين الغائب والمتكلم، في محاولة منه لإرباك المشهد برمته، وأن المؤلف يريد أن يعتمد على راو متردد بين ضميرين، وسندرك فيما بعد أن الراوي الفعلي غائب عن عمد لإيغال الغموض، وتشظية الزمن الروائي، ومن ناحية أخرى للاعتماد على راو غير موثوق يروي الأحداث. وعدم الوثوق بالراوي لا يعني الكذب بل ربما يعني إسقاط الرغبات على الواقع.أو تفسيرالواقع تفسيرا رغائبيا، وقد تكون عدم الموثوقية مقصودة فنيًا، لتؤدي وظيفة يريد المؤلف أن تصل إلى القارئ فيجعله في حالة تردد دائم. ويريد أن يشرك القارئ في اختبار الإيمان أو الشك وعدم الاطمئنان، وهنا تتحول الرواية إلى اختبار:هل نحتاج فعلًا إلى مُخلِّص؟ أم أن الألم لا يُرفع إلا من داخل الذات؟

ويمكننا أن نتوسع أكثر في فكرة الصراع، وأنه لم يكن يشمل كل أحداث الرواية، بل هناك عدة أنواع أخرى تمثل صراعا خفيا، يظهر أحيانا بقوة على السطح. كالصراع الناشئ بين العاطفة والجسد، فهناك أختان: هبة وأمل الحلواني، كلتاهما تحب ذاكرا، اعترفت هبة بذلك، وأمل كانت أكثر جرأة من أختها، فقامت بمداعبة ذاكر، وتجرأت عليه وطلبت مقابلته وحدها، وجلسا معا في المقهى، وأحبها ذاكر حبا شديدا، وأصبح لا يرى غيرها من النساء، لكنها تموت بعد أن تنجب له عماد، ثم يتزوج ذاكر من أختها هبة، وتعيش معه باقي عمرها حتى النهاية.

ونجد مثل هذا الصراع بين العاطفة والواجب أيضا بين أمل ومراد بهجت زميل العمل في البنك، الذي بدت منه عبارات الغزل بهبة بعد أن تزوجت من ذاكر، فوقفت له بالمرصاد، وكفته عن فعلته، حتى فصل بينهما المدير العام، وحضر ذاكر بنفسه التحقيق، فلولا انجذاب أمل ووقوفها مع الواجب لانهار بناء البيت.

وهناك صراع من نوع آخر يتمثل في صراع الأبناء والأباء، وهو صراع ملحوظ بقوة في الرواية، ظهر منذ كان ذاكر يتذكر خروجه من المدرسة وهو صغير ويمارس اللعب ويخشى بطش الأب. واستمر هذا الصراع بين ذاكر نفسه وابنه عماد الذي مالت الأسرة إلى تدليله فانخرط في داء الإدمان، ووقف معه ذاكر حتى تخلص من الداء اللعين.

وثمة صراع آخر ملحوظ بين العلم والدين، تعرض ذاكر وهو على علاقة طيبة مع وكيل المدرسة الصوفي راشد المهدي صاحب المؤلفات العلمية في الصوفية، لكنه ثبت على يقينه ولم ينجرف للتيار الصوفي، بينما نرى صديقه الصحفي محمد المغربي ينجرف بكيانه كله وينخرط في الصوفية حتى يصبح قطبا من أقطابها.

اقرأ ايضا:

سمية عبدالمنعم تكتب: في السرقات الأدبية.. غياب الضمير الجمعي كلمة السر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى