مقالات

الناقد أحمد فرحات يكتب: مقامات عائض القرني

يهمني في مقامات القرني أنه يحمل عنوانا صريحا مباشرا في فن المقامة، مقرونا باسم صاحب لعمل، بدون فواصل أسلوبية، “مقامات عائض القرني، مما يعني القصدية في الكتابة، على الرغم من أن مفهوم القصدية يشير إلى المعنى المضمر والكامن وراء نص من النصوص فهي هدف منتج النص غير المعلن الذي يسعى إل خلق عالمه الخاص في سياق لغوي ومعرفي محكوم برؤية شمولية تتعلق بداخل النص وثوابته وبالمجريات اللاواعية التي تأتي من الخارج النصي لتساهم في تحديد الدلالات وتوجيهها على النحو السليم، لتجمع القصدية على هذا النحو بين المتناقضات، الداخل والخارج، الوعي واللاوعي، وبين البسيط والمركب .

والمعنى الظاهر هنا هو التصريح بالجنس الأدبي المتناول، أم المعنى المضمر الذي يمكن استنطاقه من خلال المقامات عند القرني، هو إحياء هذا الفن الذي كاد يندثر، والتنبيه إلى إثبات شخصية الأديب السعودي في مجاراة السابقين.

جاءت مقامات القرني في 608 صفحة من لحجم لمتوسط، توزعت على 58 مقمة، تحمل كل مقامة عنوانا يميزها عن غيرها، أحيانا يكون مكانيا كالمقامة الفلسطينية، المصرية، الأمريكية، لأفغانية، البغدادية، الدمشقية، اليمانية..، وأحيانا يحمل اسم معنى أو صفة كالهمة، السعادة، الفرج، الحب..، وأحيانا يكون علميا كالمقامة النحوية، الفقهية، الجغرافية..، وأحيانا يكون دينيا، كالمقامة الجهادية، الزهدية، التوبة، الشيطانية..، وأحيانا أخرى تحمل اسم علم كمقامة محمد بن عبد الوهاب، الملك سعود، المتنبي.. فهو يعالج جملة من القضايا المتنوعة والمتعددة، فهي مقامات اجتماعية، ثقافية، علمية، سياسية، دينية، إنسانية، تربوية.

يتداخل المنظوم والمنثور في مقامات القرني، فيبدأ مقاماته بإهداء إلى قرائه شعرا، يستظهر فيه مقدرته البيانية على امتطاء الأجناس الأدبية المختلفة، شعرا ونثرا، فيقول:
فغيرنا بمداد الحبر قد كتبوا .. ومن دمنا كتبنا الشعر والخطبا
وقد بالغ القرني في شعره المنثور عبر صفحات المقامات، والمبالغة أحيانا تضر بالشعر، وتفسده، فانظر إلى القول السابق تجد أن القرني وازن بين من يكتب حروفه من مداد الأحبار، وبين من يكتبها من دماء البشر، وشتان بين الصورتين!! فكلاهما سائل يصلح للكتابة لكن الصورة الثانية مبالغ فيها بشكل يصعب معها التعاطف والقبول. كما أنه يقول:
ولو أنه سُفكت منا الدماء بحبكم .. لطرنا مع الأشواق من لذة القتل
فليس للقتل لذة، ولا بهجة، حتى لو كان قصاصا، فالقتل هو القتل، باعث على الألم الممض، والقلق النفسي والوجودي، ويثير في النفوس نفورا واشمئزازا ..

وفي المقامات يستعرض القرني موهبته الشعرية الفذة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتناول ملامح شخصيته الكريمة، ويسبغ عليه من الصفات أجملها وأجلها وأعظمها، مستفيدا من المدائح النبوية السابقة عليه، لكنه وهو في مقام المقامة النبوية ذكر قصيدته التي زادت عن الثلاثين بيتا، وليته أطال! لما في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم من مكارم ومغانم. فقال: لما مدحتك خلت النجم يحملني.. وخاطري بالسنا كالجيش محتدم
وفي المقامة النبوية التي استعرضها القرني دفاع واجب عن رسول الإنسانية كافة، وتبجيل لشخصه الكريم، وتنزيل من قدر الذين سبوه تصريحا أو تلميحا، وهو يدرك أن المقام المدحي يستوجب التفخيم، ففخم، وويستلزم الإطراء فأطرى، وأفاض في مدحه وزاد.

لم يتغير أسلوب المقامة القرنية عن مقامات سابقيه من حيث الاهتمام بالصنعة البديعية في الكتابة، من جناس وترداف، وسجع وازودواج، ..وهو الجانب الأبرز في المقامة، مع الإبقاء على الراوي الذي يروي الحدث السردي، وهو هنا القرني نفسه، ولم يوظف راويا مختلفا، ولم يستخدم مكديا يحتال من خلاله على الأحداث، أو يتكسب به. كما أن لغة القرني جنحت إلى السهولة واليسر على غير المألوف في سياق المقامة قبله؛ فالمقامة تعتمد في الأساس على صياغة لغوية خاصة تتميز بالغريب والنادر مما هو غير معهود عند سائر الكتاب والشعراء، فالقرني مال إلى البساطة واليسر في انتقاء ألفاظه وعباراته، ولم يند عن لغة الإعلام الذي يقدم لجمهور المتلقين، إذ ثرت لغة الإعلام والخطابة في أسلوبه اللغوي، فبدا سهلا ميسورا مباشرا تقريريا في غالبه.

اقرأ ايضا:

الناقد أحمد فرحات يكتب: بث مباشر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى