من العمامة إلى القصر: فتاوى المصريين التي واجهت الإنجليز والملوك
تاريخ المصريين: أجرأ الفتاوى في نصف قرن
الشارع والقصر والإنجليز والعمامة والطربوش وصراعات الساسة ودهاليز الحكم
دار الإفتاء تتأسس تحت هيمنة المحتل .. وخرج من عباءتها استقلال مصر
د. عمرو عبد المنعم: فتاوى المصريين دفعت رجال الحكم والسياسة للنظر والاعتبار
أصدرت الهيئة العامة للكتاب في سلسلتها العريقة “تاريخ المصريين” رقم 400 كتابًا للزميل الصحفي والباحث د. عمرو عبد المنعم بعنوان “فتاوى المصريين في نصف قرن: الشارع والقصر والإنجليز”. الكتاب خرج في ثوب راقٍ جدير بالموضوع والسياق الزمني والمكاني والمؤسسي لموضوع مثل الفتوى ودار الإفتاء المصرية وتاريخ المصريين.
قراءة في كتاب فتاوى المصريين
موضوع الكتاب “فتاوى المصريين في نصف قرن” يثري المكتبة المصرية والعربية من حيث الفكرة والرؤية، وأيضًا الجهد الهائل الذي استغرق إعداد الكتاب من الباحث والزميل د. عمرو عبد المنعم، فقد اقترب من 10 سنوات إعدادًا ومناقشة. بدأها الباحث بظروف عصيبة من احتجاجات يناير 2011 إلى ثورة الشعب المصري عام 2013، وواجه فيها الباحث صعوبات حقيقية للحصول على الوثائق من مصادرها الأصلية بالمؤسسات الدينية. كما تطلب موضوع الكتاب والدراسة مطالعة دقيقة لمئات المراجع والدراسات، وقد جاءت في خاتمة الكتاب بشكل مفصل المراجع والوثائق والمصادر الأصلية.
الكتاب كان في الأصل اطروحة لنيل درجة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر من جامعة القاهرة قسم التاريخ فرع التاريخ الحديث والمعاصر بعنوان “الفتوى والمجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين” تحت إشراف العالم والمؤرخ الكبير الدكتور سيد محمد عشماوي، بمشاركة المستشار السابق لمجلس الدولة طارق البشري. وناقش الباحث كل من المؤرخ الكبير محمد عفيفي والدكتورة حورية توفيق مجاهد، أستاذ الفكر السياسي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ونال عليها الباحث درجة الماجستير بمرتبة الشرف.
فتاوى المصريين في نصف قرن تتضمن قضية الإفتاء في الدين و”التوقيع عن رب العالمين”، والتي ما تزال تثير جدلاً واسعًا منذ سنوات تاريخية بعيدة وتشغل اهتمام الخاصة والعامة من المسلمين، وما ذلك إلا لمساسها جانبًا مهمًا من جوانب الحياة اليومية الاجتماعية والاقتصادية وما يتعلق بعلاقة الإنسان بربه وعلاقته بغيره وتنظيم الشريعة، مع اعتبار أن هذه الفتاوى مصدرٌ حديثٌ للتاريخ.
ومن أمثلة الفتاوى التي تعرض لها الباحث والخبير في سوسيولوجيا الإفتاء في المجال السياسي: فتاوى فلسطين والجهاد لاستردادها، وفتاوى مروق الخديوي توفيق، وفتوى إعدام قاتل بطرس غالي من قبل إبراهيم الورداني، وفتوى اغتيال النقراشي باشا رئيس الوزراء في العهد الملكي على يد جماعة الإخوان الإرهابية، وجذور فتاوى العنف وردود المفتين وسياقاتها السياسية والاجتماعية والتاريخية.
جاءت مقدمة الكتاب للدكتور عمرو عبد المنعم توضح أن كل واحد من المفتين العشرة الذين تناولتهم الدراسة قد أفتى بحسب تصوره للواقع. فقد أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر برئاسة الشيخ حسنين مخلوف سنة 1947 فتواها بضرورة إنقاذ فلسطين، وعدته واجبًا دينيًا على المسلمين، وطالبت العلماء بالإجماع الحكومات الإسلامية والعربية بتهيئة المأوى والنفقة للعرب المشردين والجهاد. وإذا نظرنا لحقبة الثمانينات، سنجد فتوى الشيخ جاد الحق بجواز الصلح مع إسرائيل. وبالطبع كان السياق قد تغير في موقف الدولة الرسمي، فالفتوى متغيرة بالسياق الزماني والمكاني وتختلف عن الحكم الشرعي الثابت غير المتغير.
ويؤكد د. عمرو عبد المنعم أن المؤرخ يهتم عادة بالسؤال ربما بقدر اهتمامه – أو أشد – بإجابة المفتي، لأن السؤال يعبر عن واقع المجتمع وحاله وتساؤلاته في حقبة معينة. وبين أهم أسباب التطرق لهذا الموضوع بالدراسة هو حالة السيولة التي تعاني منها الفتوى في عصرنا الحديث، بانتشار التقنيات الحديثة، وتصدر غير أهل العلم للفتيا بالناس، برغم ما للفتوى من تأثير بالغ الأهمية في حياة المسلمين.
وتحدث الكتاب عن الصعوبات في دراسة مثل هذه النوعية من الموضوعات الفقهية والفكرية من بجمع الوثائق، لندرة بعضها وتعنت بعض المؤسسات أحيانًا مع الباحثين من جهة أخرى، كما واجه صعوبة تداخل مجالات الفتوى وتصنيفها. وقد اعتمد الباحث منهج الوصف والتحليل.
أما أهم النتائج التي خرجت بها الدراسة فهي الاستقلال النسبي لمؤسسة الإفتاء والمفتين عن السلطة الحاكمة مقارنة بالعصر الحالي؛ فقد كانت تصدر فتاوى جريئة تنتقد الملك في سياساته المالية أو حتى تصرفاته الشخصية بالحفلات الراقصة وغيرها، كفتاوى الشيخ عبد المجيد سليم. وواجه الشيخ المراغي الملك فاروق فقال: “لا سلطان على شيخ الأزهر إلا الله”، رافضًا اشتراك مصر بالحرب العالمية الأولى، أو منح فاروق فتوى تمنع زواج طليقته من غيره. كما خرجت الدراسة بتصور عن الفتوى وتطورها الزمني والمكاني للتطورات الفكرية التي أصابت المجتمع المصري ومن ثم العربي من خلالها. فنجد علماء كالإمام محمد عبده يضعون تقنينًا لتعدد الزوجات ويبيحون عمل المرأة وخروجها من بيتها، وفتاوى أخرى تعلقت بإباحة الفنون تعلمًا وممارسة، وغيرها. فقد كانت هناك اعتراضات من المفتين على بعض ما جاء بكتابات مثل “الشعر الجاهلي” و**”الإسلام وأصول الحكم”**، ولكنها ظلت حريصة في مجملها على استلهام الشرع المستنير دون تكفير لمؤلف بعينه أو إعلان موقف فقهي حاد منه. وهذا شهادة للتاريخ، فهناك فتاوى حقنت الدماء وهناك فتاوى أراقَت دماءً بسبب القراءة الضيّقة للنصوص الفقهية التي تحمل أوجهًا كثيرة ومعاني متعددة.
كما شمل الكتاب الفتاوى الاجتماعية مثل لبس البرنيطة الإفرنجية وعمل المرأة وتحريم الختان وتعدد الزوجات والرق والعبودية وعلاقات المسلم بأهل الكتاب، وفتاوى القضايا الفكرية التي صاحبت أزمات “الإسلام وأصول الحكم” و**”الشعر الجاهلي”**. ومن الفتاوى الاقتصادية تحريم شهادات الاستثمار وبيع وشرب الدخان.
تناول المؤلف أيضًا جانب السياق التاريخي والمجتمعي الذي أنبت فتاوى النصف الأول من القرن العشرين وأحدث جدلًا فقهيًا وفكريًا كبيرًا في هذا المجال، مما يعد مصدرًا هامًا للتعرف على حقبة تاريخية مهمة من تاريخ مصر المعاصرة.
الكتاب به “غزارة معلوماتية متعددة المصادر والوثائق”، وأشار لأهمية النظر للتشريعات لا باعتبارها نصوصًا قانونية جوفاء، وإنما متغيرًا هامًا بحركة المجتمع؛ فكل متغير في حياة المجتمعات يستتبعه تغيير في حركة القوانين والفتوى. وتاريخ مصر الحديث خير شاهد على ذلك.
الكتاب يقع في 293 صفحة من القطع الكبير ويباع في الهيئة العامة المصرية للكتاب، سلسلة تاريخ المصريين رقم 400، وهو جدير بالقراءة والإحلال لما فيه من جهد فكري وتاريخي وثقافي.
اقرأ ايضًا:
بين البر والبحر.. «كل الظلال التي نخفيها» رواية جديدة لسوزان خلقي في معرض الكتاب

