هل تعلم كيف يصطادون القِرَدة؟.. قصة قصيرة للأديبة تبارك الياسين
في هذه القصة، تأخذنا تبارك الياسين في رحلة نفسية مليئة بالغموض والرعب والانعكاسات النفسية للذات، حيث يمتزج الواقع بالخيال والهلاوس. القصة القصيرة والقصيدة المصاحبة تقدّم تجربة فنية حسية، تتناول الأرق، الذكريات، والصراع الداخلي بأسلوب شاعري متقن.
الغرفة التي تتنفس: الأرق والهلاوس
لم تكن الوخزة في عيني عادية.
كانت حادّة، كأن شظيّة ضوءٍ انفجرت في عمق العصب.
مددتُ يدي أتحسس وجهي، لا شيء هناك،
لكن الألم بقي يرفرف في رأسي كطائرٍ مذعورٍ يبحث عن نافذةٍ للهروب.
أكتم الصرخة في حلقي، وأُصغي لصوت الليل،
ذلك الهدوء الكاذب الذي يخفي تحته ضجيجًا ينتظر إشارتي ليبدأ.
الغرفة صامتة، لكن في الجدار همهمة خفيفة، وفي الزاوية ظلّ يتمدد ببطء كأنه يتنفس. البطلة تحاول النوم، لكن كل حركة وكل صوت يصبح اختبارًا للصبر والوعي.
المرآة والانعكاس: القردة والأسئلة
ثم يأتي الصوت.
صوت البطل من فيلمٍ قديمٍ لم أعد أتذكر اسمه:
هل تعلم كيف يصطادون القِرَدة؟
أتوقف،
كأن السؤال خُلق لي أنا وحدي.
قالوا في الفيلم:
يتركون لها مرآةً صغيرة في الغابة،
وحين تراها القردة، تقترب،
تحدّق في انعكاسها،
تغرم بصورتها،
وتغرق فيها حتى تُؤسر.
أبتسم.
كم أنا تلك القِرَدة.
أنظر في المرآة كل ليلة،
أبحث عني،
فأرى وجهاً يعرف كل أسراري لكنه لا يشبهني.
وجهٌ يعيش مكاني،
يتنفس باسمي،
ويغيب عني كلما حاولت الإمساك به.
النص الشعري: الهلاوس والسكوت
لم تكن الوخزة في عيني عادية.
كانت حادّة، كأن شظيّة ضوءٍ انفجرت في عمق العصب.
مددتُ يدي أتحسس وجهي، لا شيء هناك،
لكن الألم بقي يرفرف في رأسي كطائرٍ مذعورٍ يبحث عن نافذةٍ للهروب.
أكتم الصرخة في حلقي، وأُصغي لصوت الليل،
ذلك الهدوء الكاذب الذي يخفي تحته ضجيجًا ينتظر إشارتي ليبدأ.
الغرفة حولي صامتة،
لكن في الجدار همهمةٌ خفيفة،
وفي الزاوية ظلٌّ يتمدد ببطء كأنه يتنفس.
أحاول أن أنام.
النوم، في مثل هذه الليالي، ليس راحة بل اختبار.
كل خطوةٍ نحوه تجرّني أكثر نحو ظلامٍ أليفٍ لا أملك منه خلاصًا.
أغمض عينيّ.
تبدأ الأرض بالاهتزاز.
قدماي تغوصان في ماءٍ باردٍ حدّ الألم،
وأسمع ضحكةً من خلفي، ضحكةٌ أعرفها،
ضحكةُ من دفعني.
لعلها صديقتي القديمة تلك التي كانت تتسلّى بخوفي.
قالت لي مرةً إنّ الرعب نوعٌ من اللعب،
وإنّ على الإنسان أن يتعلم كيف يضحك في وجهه كي لا يُهزم منه.
لكنّها رحلت منذ أعوام،
أو ربما أنا التي لم أغادر بعد الأماكن التي شهدت رحيلها.
من سقف الغرفة تتدحرج صخرةٌ وهمية.
تهوي، تختفي، ويعقبها صمتٌ كثيف،
ثم تنفجر ضحكةٌ حادة تشقّ الليل نصفين.
يهتزّ سريري بعنف،
أشعر كأن الغرفة كلها تحاول إسقاطي من العالم.
أقرأ التعويذة المنقوشة على باطن كفي
الحروف باهتة،
كانت يومًا ما هديةً من حبيبٍ قال لي:
«إن نسيتِ وجهي، تذكّري الخطوط على يدك، ستجدينني هناك.»
لكن الحروف بردت،
صارت ندوبًا صامتة،
وغفا حلمه بين راحتيّ ومات.
أبقى معلّقة على حبل الأرق،
أتأرجح بين نومٍ ووعي، بين ضجيجٍ ووهم.
يمرّ شريطٌ باهت من الصور في رأسي:
طفلةٌ تركض في المطر،
امرأةٌ تُغلق الباب على وجهها،
ورجلٌ يلوّح من بعيد.
ثم يأتي الصوت.
صوت البطل من فيلمٍ قديمٍ لم أعد أتذكر اسمه:
هل تعلم كيف يصطادون القِرَدة؟
أتوقف،
كأن السؤال خُلق لي أنا وحدي.
قالوا في الفيلم:
يتركون لها مرآةً صغيرة في الغابة،
وحين تراها القردة، تقترب،
تحدّق في انعكاسها،
تغرم بصورتها،
وتغرق فيها حتى تُؤسر.
أبتسم.
كم أنا تلك القِرَدة.
أنظر في المرآة كل ليلة،
أبحث عني،
فأرى وجهاً يعرف كل أسراري لكنه لا يشبهني.
وجهٌ يعيش مكاني،
يتنفس باسمي،
ويغيب عني كلما حاولت الإمساك به.
الهلاوس تسكن غرفتي الآن،
تجلس على كتفي،
تغني بصوتي،
وتحصي أنفاسي كأنها تعدّني لغيابي.
أحادث نفسي، أسألها: «هل كنتِ أنتِ من دفعني؟»
لكنها تبتسم وتختفي.
أدرك أن الجنون ليس أن ترى ما لا يُرى،
بل أن تؤمن به حتى يصير لك مرآة.
أفتح النافذة.
الهواء بارد،
يشبه يدًا قديمة تمسح وجهي بحنانٍ موجع.
السماء رمادية،
والمدينة نائمة كجثةٍ أنيقةٍ في تابوتٍ من ضوء.
أتنفس بعمق.
أترك كل الأصوات تتراجع في داخلي:
الضحكات، الصخرة، المياه، التعويذة، السؤال.
كلها تتلاشى ببطءٍ إلى الخلف،
حتى لا يبقى في المكان سوى قلبي يدقّ بإيقاعٍ غريبٍ لا يشبه الحياة.
لم أعد أحتاج إلى رصاصة.
كل ما أحتاجه الآن هو سكوتٌ كامل،
سكوتٌ يغسل رأسي من الأصوات،
ويمحو من الجدار ظلي.
سكوتٌ يشبه غيابًا ناعمًا،
نهاية فيلمٍ قديمٍ نُسي اسمه،
وبقيت فيه قردةٌ صغيرة تحدّق في المرآة حتى ذابت فيها.
القصة والقصيدة معًا تقدّمان تجربة أدبية غامضة وحسية، حيث يصبح المرآة والظل والسكوت رموزًا للصراع النفسي والاجتماعي الداخلي. تبرز الكتابة كيف يمكن للفرد أن يجد في الانعكاس والسكوت مساحة لفهم الذات والتعامل مع الضغوط، بعيدًا عن أي حلول خارجية.
اقرأ ايضًا:
“كاريزما”.. أعمال نادر هلال تحتفى بالهوية والإبداع بجاليري ضي الزمالك




