حوارات

 سلوى بكر: أكتب عن المسكوت عنه.. والمرأة ليست ظلًا في الرواية العربية ( حوار)

◀ المرأة العربية تحمل تركة ثقيلة من الإشكاليات الاجتماعية
◀ “ليل ونهار” تكشف فساد الإعلام وتزييف الوعي
◀ “البشموري” تعيد مساءلة التاريخ بلغة العصر الوسيط
◀ الرواية.. مساحة الشباب بين التعبير وبريق الجوائز

روائية مصرية كبيرة، ارتبط اسمها بالكتابة الجريئة التي تنحاز للمرأة والمهمشين، وتغوص في مناطق ظلّ طالها التهميش طويلًا داخل المجتمع والسرد معًا. عبر أعمالها الأدبية فتحت ملفات اجتماعية وتاريخية شائكة، وقدّمت رؤى نقدية عميقة للواقع المصري والعربي. من أبرز أعمال سلوى بكر: “ليل ونهار”، “مجموعة قصص”، و”البشموري”، كما حصدت العديد من الجوائز المهمة، منها جائزة الإذاعة الألمانية، وجائزة محمود درويش، وأخيرًا جائزة الدولة التقديرية.

مجلة ” صوت الأهلية” التقت بها في هذا الحوار للحديث عن مشروعها الإبداعي، وتحولات المشهد الثقافي، وتأثير وسائل التواصل الحديثة على الكتابة والقراءة.. وإلى نص الحوار..

في البداية.. لماذا تتمحور أعمال سلوى بكر الروائية والأدبية حول إشكاليات المرأة والمهمشين؟

الغالبية العظمى من النساء في مصر والعالم العربي هن من الطبقات الفقيرة الكادحة، هن من الأرامل بسبب الحروب والصراعات الكثيرة في منطقتنا العربية، فالنساء هن مؤسسة زوجية سواء اللواتي لم يلحقهن قطار الزواج أو بسبب الطلاق، وغياب الزوج إلى آخره.
فأنا معنية بالسواد الأعظم من النساء، ذلك النوع من النساء الذي لا يستدعي كتابة الرجل، فالرجل يكتب كأديب أو كاتب عن الحبيبة والعشيقة، والمرأة الجميلة، والتي هو في حالة منفعة معها كزوجة وابنة، ولذلك في الأدب لا نجد كثيرًا الكتابة عن الأخت، والأخت في كتابة الرجل عادة ما تكون بملامح سلبية نراها حقودة، شريرة، تغار من الزوجة الجميلة، وما إلى ذلك من سلبيات.
وأنا أكتب عن إشكاليات المرأة، لأن إشكاليات النساء في عالمنا العربي كثيرة متنوعة، وهناك تركة إنسانية كبيرة تعمل ضمن المرأة وتنتج هذه الإشكاليات.

وأما عن المهمشين، فالقراء عادة هم من المتعلمين ومن الطبقات الوسطى التي تتآكل الآن، ولكن الخطاب يكون موجهًا لهؤلاء للنظر في أمور تبدو عادية بالنسبة لحياتنا، فمهمة الكتابة هي النظر إلى الأشياء التي تبدو اعتيادية بعين غير اعتيادية، وأوصف الأوضاع داخل المجتمع، ولا أقدم حلولًا ولكني أضيء على المشكلات الإنسانية، وأبرزها.

هل ترين أن المرأة ظُلمت في الرواية العربية، من حيث التحديات التي تواجهها والضغوط التي تتعرض لها؟

الكتابة تاريخيًا، الرواية والقصص والإبداع الأدبي، قام بها الرجل بحكم تقسيم العمل الاجتماعي بين الرجل والمرأة، والمرأة منوطة بإنتاج وظائف الحياة من الحمل والرضاعة وما حول ذلك، والرجل يصنع العالم، فالكتابة تاريخيًا قام بها الرجل، والكتابة تاريخيًا قُدمت من منظور الرجل، وعن عوالم الرجل، وكان جزء من عوالم الرجل دائمًا النساء، إذن إشكاليات المرأة الحقيقية لم تُكتب على نحو عميق، ومن منظور المرأة إلا عندما كتبت المرأة.

ومثلًا إذا عدنا إلى عمل من الأعمال وهو “أريد حلًا” للكاتبة حسنة شاه، الذي تحول إلى فيلم سينمائي، فهذه الإشكالية لم يكتب عنها الرجل بل كتبت عنها المرأة، كتبت عن مشكلة المرأة المهجورة التي لا يعاقبها الزوج ولا يطلقها، فإذن هذه الإشكالية هو أن الرجل الذي كان كاتبًا معظم الوقت، وعبر عقود طويلة وسنوات طويلة، والآن هناك كم من النساء يكتبن وبالتالي أصبحت إشكاليات المرأة الحقيقية تتقدم في الأعمال الإبداعية، فالمسألة ليست مسألة ظلم أو عدم ظلم، فهي مسألة لها أسباب وجذور وسياقات تاريخية يجب التعامل معها.

“مجموعة قصص” هل استغرقت وقتًا طويلًا لكتابتها حيث أنها تضم مجموعة من المفردات اللغوية؟

اللغة الأدبية والروائية هي ترسم الشخصية، تعبر عن عوالمها، فاللغة هي بمثابة الألوان بالنسبة للرسام، فالرسام الذي لا يعرف العلاقات اللونية جيدًا، فهو لا يقدم عملًا جيدًا حتى لو كان موهوبًا، وأيضًا الكاتب عليه أن يعرف الدلالات اللغوية على نحو جيد، يعرف المستويات اللغوية على نحو جيد حتى يستطيع أن يستخدمها في رسم شخصيته والتعبير عن مرجعيتها، والتعبير أيضًا عن خطاباته، فالكاتب في النهاية يصور عالمًا ويجسد عالمًا بهدف إنتاج خطابات للقارئ حتى يستطيع أن يجسد خطواته.
وأنا أرسم كل شخصية بلغة تناسبها، والمسألة في الكتابة ليست عامية أو فصيح، فأكتب معظم الأعمال بفصيح العامية، فمثلًا نقول في العامية “معلش” وفي العامية نقول أيضًا “ما علينا” وأختار ما يناسب الشخصية، فاللغة هي اختيار ضروري لرسم الشخصيات وعوالمها ومرجعيتها.
الإبداع هو إعادة إنتاج العالم، يعني مجمل الخبرة الإنسانية الموجودة عند المبدع سواء كاتبًا أو رسامًا، فهو يعيد تشكيل العالم، يعيد خلقه بطريقة أو بأخرى من علاقاته، تجاربه الشخصية، التقائه بناس.

ماذا عن رواية “ليل ونهار”؟

تجسد جانبًا من عالم الصحافة والإعلام وهو الفساد والكذب والنفاق والمصالح التي تحرك هذا العالم، فهي بها جانب من هذا العالم، هناك شخصيات في العمل تنسحب على عوالم شخوص موجودة في الحياة.

هل وجود شخصية زاهر كريم ترمز لشيء معين في رواية “ليل ونهار”؟

زاهر كريم رمز للرأسمالية المصرية منذ بدايات القرن العشرين، فهذه الرأسمالية التي حاولت أن تقدم نهضة قومية من خلال الصناعة، وإنشاء صناعة سينما، فكان هناك رموز من الرأسمالية المصرية التي حاولت تعمل صناعة نسيج، وأشياء كثيرة قومية تنهض الوطن، وهذه الرأسمالية في نهاية القرن العشرين وحتى الآن انتهت، وأصبح هناك رأسمالية هشة كرغاوي الصابون، تفعل أمورًا ليست هادفة، فموت زاهر كريم موت رمزي لهذه الرأسمالية التي نشأت مع بدايات القرن الماضي، وحاولت إحداث نهضة داخل مصر.

وهل هناك هدف معين لكتابة رواية “ليل ونهار”؟

الهدف هو تبيان ما سارت إليه أحوالنا الآن، وتبيان ضلوع الإعلام الورقي وغير الورقي في تزييف وعي المواطن وحجب الحقائق عنه.

لماذا تم استخدام مفردات تشبه كتابات المقريزي في رواية “البشموري”؟

الكاتب يحق له كتابة ما يشاء في التاريخ وعلم الفلك، وكل مجال، فـ”البشموري” هي رواية تتساءل عن التاريخ وليست تاريخية، فهي تعيد طرح أسئلة في التاريخ، وهي كتبت بلغة العصر الوسيط، وهي تبدو صعبة بالنسبة للقارئ المعاصر، فالقارئ المعاصر يتحدث بلغة، ويقرأ بلغة ميسرة، تتعلق بعصره بسبب الإعلام والتعليم وبسبب أشياء كثيرة أخرى.
فاللغة العربية غنية للغاية، وتتطور وفقًا لمعطيات كل عصر، فعندما أكتب بلغة العصر الوسيط عن شخصيات من العصر الوسيط، فالهدف هو أن أجسد هذه الشخصيات وفقًا لعوالمها.

ما الدافع من وراء كتابة رواية “البشموري”؟

أوضاع البشموريين وثورتهم، فهي ثورة امتدت في عصر الولاة حتى عصر العباسي الأول في زمن الخليفة المأمون، هذه الأحداث وهذه الثورة شبه مسكوت عنها تاريخيًا، فلم يُكتب عنها تاريخيًا، لأن التاريخ الإسلامي العربي، والتاريخ المصري المسيحي القبطي سكتا عن هذه الثورة لأسباب تتعلق بمصالح الدولة العربية الإسلامية من ناحية، ومصالح الكنيسة المصرية القبطية من ناحية أخرى، فالكنيسة القبطية جرّمت هذه الثورة، وكذلك المؤرخون المسلمون العرب، فالثورة شبه مسكوت عنها تاريخيًا رغم أنها امتدت من القرن السابع حتى القرن التاسع الميلادي، يعني حوالي 200 سنة كانت تهب وتخمد حتى بلغت ذروتها في عهد الخليفة المأمون.

هل تغير عصر الكتابة منذ الستينيات عن العصر الحالي مع ظهور وسائل التواصل الحديثة؟

ليس هناك تغيير مع ظهور الإلكترونيات، ولكن المهم مضمون الكتابة، وكيف هي الكتابة؟ فهي المعيار الأساسي، فلو نص مكتوب على “الفيسبوك” واليوتيوب جميل أحسن من خمسين نصًا مكتوبًا في الورقي.

من وجهة نظرك.. هل وسائل التواصل الحديثة أحدثت حالة من العزوف عن القراءة بسبب انشغال الناس بالصورة والصوت؟

بالطبع لا، فهي نقلت القراءة الورقية إلى الوسيط الإلكتروني فقط “الكتاب الإلكتروني”، ولكنها لم تؤدِّ إلى حالة عزوف.

لماذا يلجأ الشباب خلال الفترة الأخيرة إلى استخدام نوع واحد من الأنواع الإبداعية وهو “الرواية”؟

لأن الرواية عوالمها تقدم مغريات مثل الجوائز، والأموال، والبريستيج، فالكاتب يحب أن يُطلق عليه روائي، ويُشار إليه بالبنان ويقال إن هذا أصبح روائيًا، ويُعطى وضعًا أدبيًا إن جاز التعبير، فهذا ما جعل شبابًا كثر يلجؤون إليها، ولكن الجذر الأساسي في الموضوع هو وجود مأزق تعبيري داخل المجتمعات العربية.

اقرأ ايضا:

مريم الظاعن: البحرين نموذج تنموي متقدم والإصلاحات مستمرة لتعزيز الاستقرار والتنمية ( حوار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى