الناقد أحمد فرحات يكتب: بنات إيران
الناقد أحمد فرحات
تعد “بنات إيران” من الأعمال الإبداعية الجيدة للإيرانية ناهيد رشلان، صدرت سنة 2006م، وكان قد سبقها بعام – وربما التوقيت نفسه -رواية السعودية رجاء عبد الله الصانع التي كتبت “بنات الرياض” 2005م، والروائي المصري ناصر عراق الذي كتب”نساء القاهرة. دبي” 2014م.
تعد رواية ناهيد رشلان بنات إيران رواية سيرة ذاتية للكاتبة صدرت بالإنجليزية عام 2006 فتسرد الرواية قصة نشأة الكاتبة وشقيقتها “باري” في إيران خلال الخمسينيات والستينيات، وتكشف عن قمع النساء، التقاليد الصارمة، وتغيرات الحياة السياسية والاجتماعية من عهد الشاه إلى الثورة الإسلامية في إيران.
تروي الكاتبة قصة اختلاف مصيرها (حيث هاجرت للدراسة في أمريكا) عن مصير شقيقتها “باري” التي أجبرت على زواج تعيس في إيران. تتناول الرواية الحزن، القمع الأسري والسياسي، الرابط الأخوي، والرغبة في الحرية في مجتمع ذكوري متشدد. فتغطي الأحداث حقبة ما قبل وبعد الثورة الإيرانية. ولذا فإنها تعد وثيقة أدبية تنقل معاناة المرأة الإيرانية وتداخل حياتها الشخصية مع التطورات السياسية العنيفة في البلاد.
حزن “رشلان” منعها على مر السنين من سرد سيرتها الذاتية لتخبر كيف اختلفت حياتها عن حياة “باري”، شقيقتها الحميمة. في عمر المراهقة رفضتا التقيد بالأعراف السائدة وحلمتا بخوض غمار الأدب والمسرح، فكانتا تقرآن سراً الكتب الممنوعة وتمثلان قصصاً رومانسية، وفجأة انقلبت حياتهما، حين أجبرت “باري” على الزواج من رجل ثري وقاس جعل منها أسيرة منزلها. تفادت “ناهيد” الاقتران بشخص يختاره والداها، فطلبت من والدها متابعة دراستها في أمريكا.
بعد أن اشتهر اسم “ناهيد” في مجال الأدب في الولايات المتحدة، وتحررت من قيود عائلتها، تلاشت أحلام “باري”؛ فقد قضى زوجها على آمالها وطموحاتها. وحين تلقت “ناهيد” خبر وفاة “باري”، عادت إلى إيران التي أصبحت تحت حكم نظام إسلامي، لتعرف ما حدث مع شقيقتها العزيزة، وتواجه ماضيها، وتقيم ما يخبئه المستقبل لمنسحقات القلوب. كتاب “بنات إيران” لا يحكي قصة “ناهيد” فحسب، بل يجمع حياة كل من خالتها ووالدتها وشقيقاتها .
تنتمي رواية “بنات إيران” إلى أدب السرد الواقعي/الاجتماعي الذي يتماس مع (الأدب النسوي)، حيث تطرح تجربة المرأة الإيرانية داخل منظومة ثقافية وسياسية مغلقة نسبيًا، وتُحوِّل المعاناة الفردية إلى خطاب جمعي.
تهدي ناهيد عملها إلى شخصياتها جميعا: باري، ماينجة، فارزانة، فازرين، مريم، ومحترم. فكل شخصية تمثل زاوية نظر مختلفة: الخاضعة، المتمردة، الصامتة، المنكسرة. وهذا التعدد يخلق ما يشبه “جوقة نسوية” تتكلم لا بصوت واحد بل بأصوات متعارضة أحيانًا. الشخصية هنا ليست فردًا فقط، بل حالة اجتماعية. وأغلب الشخصيات تمر بـتحول نوعي من الامتثال والطاعة إلى الوعي ثم إلى التمرد. وربما الانكسار.
هذا التحول هو العمود الفقري للرواية. ويعد غياب البطل التقليدي أبرز سمة من سمات الرواية. فلا يوجد “بطل مركزي”. الشخصيات تعيش ازدواجًا فحواه الداخل (الرغبة) و الخارج (الامتثال)، يكشف النص عن النسق السلطوي، العلاقة بين الدين/السياسة/الجسد. فيكتب الجسد بوصفه نصًا، والحرية بوصفها سؤالًا مفتوحًا.
أما بنات الرياض فهي تمثل شخصيات بعينها كنماذج اجتماعية واقعية، أربع فتيات يمثلن:الطبقة الثرية- التوتر بين الحداثة والتقليد- التحول بينهن مرتبط بالعلاقات (حب/زواج/خيبة).
تميل في لغتها إلى البساطة والمباشرة والعامية شبه المحكية أحيانا. تسير عبر سرد ساخر ، يكشف المستور غالبا.نستطيع أن نقول إنها لغة تواصلية جماهيرية، أكثر منها لغة أدب عميقة الداخل والخارج.
بإيجاز؛ تعد بنات إيران كاشفة للسلطة السياسية عبر تداخل الدين والسياسة، أما بنات الرياض فإنها تكشف النفاق الاجتماعي والازدواجية الطبقية .
بنات إيران تكتب المرأة بوصفها ساحة صراع كوني أما بنات الرياض فإنها تكتب المرأة بوصفها كائنا يعيش داخل تناقضات المجتمع.
من ناحية التأثير الفعلي للروايتين فإن بنات إيران تعد أكثر عمقًا وتجريبًا وتأثيرًا وانتشارًا. أما بنات فإنها تعد أكثر حضورًا جماهيريًا، وأكثر جرأة في الطرح.
بنات إيران رواية سياسية بامتياز أما بنات الرياض فهي رواية اجتماعية قوية. فبنات إيران صرخة في وجه السلطة، أما بنات الرياض فهي اعتراف علني داخل المجتمع.
نموذج من بنات الرياض :
سيداتي آنساتي سادتي..
أنتم على موعد مع أكبر الفضائح المحلية، وأصخب السهرات الشبابية، محدثكم (موا)، تنقلكم إلى عالم هو أقرب لكل منا مما يصوره له الخيال. هو واقع نعيشه، ولا نعيش فيه. نؤمن بما نستسيغ الإيمان به ونكفر بالباقي. لكل من هم فوق الثامنة عشرة. وفي بعض البلدان الحادية والعشرين، أما عندنا فبعد السادسة، لا أعني السادسة عشرة للرجال وسن اليأس للفتيات لكل من يجد في نفسه الجرأة الكافية لقراءة الحقيقة عارية على صفحات الإنترنت والمثابرة المطلوبة للحصول على تلك الحقيقة مع الصبر اللازم لمسايرتي في هذه التجربة المجنونة.. ص 2
نموذج من بنات إيران:
.. حدث ذلك في سنة 1955م. كنت في التاسعة من العمر، وكان قد تم التوقيع للتو على معاهدة صداقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في هذه السنة. لم يعد يفصل النساء الإيرانيات عن نيل حق الانتخاب سوى ثماني سنوات فقط، فقد وضع الشاه الشاب الذي خلف والده على العرش سنة 1941م تحديث إيران نصب عينيه. وكان قد تلقى تعليمه الابتدائي في سويسرا وأراد أن يجعل من إيران سويسرا الشرق الأوسط..ص 13.



