دراسة بحرينية تكشف فجوة في فحوصات سرطان الثدي.. لماذا لا تجري النساء الفحص الدوري؟
كتبت: سمر عبد الرؤوف
كشفت دراسة بحرينية حديثة عن فجوة واضحة بين معرفة النساء بأهمية الكشف المبكر عن سرطان الثدي والالتزام بإجراء الفحوصات الدورية، بعدما أظهرت النتائج أن كثيرات لا يخضعن للتصوير الشعاعي للثدي بانتظام، رغم دوره في اكتشاف التغيرات قبل ظهور الأعراض. وتسلط دراسة منشورة في مجلة BMC Public Health بتاريخ 17 أكتوبر 2026 الضوء على مجموعة من العوامل النفسية والمعرفية التي قد تؤخر الفحص، من بينها الاعتقاد بعدم الحاجة إليه، والخوف من الألم أو اكتشاف الإصابة، إلى جانب محدودية التوعية والتوصيات الطبية.
وتفتح هذه النتائج بابًا للنقاش حول كيفية تحويل رسائل التوعية بسرطان الثدي إلى سلوك صحي مستمر، بحيث لا يرتبط الفحص بظهور الأعراض أو وجود تاريخ عائلي للمرض فقط، بل يصبح جزءًا من الرعاية الوقائية المناسبة لكل امرأة وفق عمرها ومستوى خطورتها.
ماذا كشفت الدراسة البحرينية عن معدلات فحص سرطان الثدي؟
شملت الدراسة 302 امرأة بحرينية تتراوح أعمارهن بين 40 و74 عامًا، جرى اختيارهن من مراكز للرعاية الصحية الأولية في المحافظات الأربع بالمملكة، بهدف التعرف على مدى الإقبال على فحص الماموجرام والعوامل التي تؤثر في اتخاذ قرار إجرائه.
وأظهرت النتائج أن 59.9% من المشاركات سبق لهن إجراء الفحص مرة واحدة على الأقل، لكن النسبة التي خضعت للفحص خلال الفترة الزمنية الموصى بها بلغت 19.6% فقط، وهو ما يعكس تحديًا لا يقتصر على تشجيع النساء على التجربة الأولى، بل يمتد إلى الحفاظ على الانتظام في المتابعة.
ويمكن الاطلاع على تفاصيل البحث ونتائجه عبر الدراسة المنشورة في مجلة BMC Public Health، التي تناولت العوامل المؤثرة في الإقبال على فحوصات الماموجرام لدى النساء البحرينيات.
وتشير النتائج إلى أن إجراء الفحص في مرحلة سابقة لا يعني بالضرورة استمرار المرأة في الالتزام بالمواعيد اللاحقة، وهو ما يجعل المتابعة الطبية والتذكير الدوري عنصرين مهمين في برامج الكشف المبكر.
لماذا لا تجري النساء فحص سرطان الثدي بانتظام؟
حددت الدراسة مجموعة من الأسباب التي قد تدفع النساء إلى تأجيل الفحص أو عدم إجرائه، وجاء في مقدمتها الاعتقاد بأن التصوير الشعاعي للثدي غير ضروري، إذ أشار إلى هذا السبب 67.9% من المشاركات.
كما أوضحت النتائج أن 64.4% لم يتلقين توصية من الطبيب بإجراء الفحص، بينما ذكرت 42.4% أن المعلومات المتاحة لديهن غير كافية. وتعكس هذه الأرقام أهمية دور الأطباء في توضيح مواعيد الفحص المناسبة والفئات التي تستفيد منه، بدلًا من الاعتماد على حملات التوعية العامة وحدها.
وتضمنت الأسباب الأخرى الخوف من الألم أو من اكتشاف الإصابة بالسرطان، بنسبة 30.9% لكل منهما، فيما أعربت 27.6% عن الخوف من العلاج أو استئصال الثدي. كذلك اعتبرت 23.4% أن عدم وجود أعراض سبب لعدم إجراء الفحص، وأشارت 23% إلى الشعور بالحرج، مقابل 15.6% لديهن مخاوف مرتبطة بالإشعاع، و10% ذكرن ضيق الوقت.
وتوضح هذه النتائج أن ضعف الإقبال على الفحص ليس مرتبطًا بعامل واحد، بل يتداخل فيه نقص المعلومات مع المخاوف النفسية والتصورات الخاطئة حول الحاجة إلى الكشف المبكر، فضلًا عن العوامل المرتبطة بالحياة اليومية والتواصل مع مقدمي الرعاية الصحية.
غياب الأعراض.. اعتقاد قد يؤخر اكتشاف سرطان الثدي
من أبرز التحديات التي تناولتها الدراسة الاعتقاد بأن الفحص لا يصبح ضروريًا إلا عند ظهور كتلة أو ألم أو تغير ملحوظ في الثدي. لكن الهدف من الفحص الدوري هو البحث عن علامات محتملة للمرض قبل أن تظهر أعراض واضحة، وفقًا للفئة العمرية ومستوى الخطورة والتوصيات الطبية المعمول بها.
ولا يعني عدم وجود أعراض أن المرأة مصابة بالسرطان، كما لا يضمن غياب الأعراض استبعاد المرض. لذلك ينبغي التمييز بين الفحص المخصص للكشف المبكر لدى من لا تظهر عليهن أعراض، والفحوصات التشخيصية التي يطلبها الطبيب عند وجود شكوى أو تغير يستدعي التقييم.
أما عند ملاحظة كتلة جديدة في الثدي، أو تغير في الجلد أو الحلمة، أو إفرازات غير معتادة، فمن المهم طلب التقييم الطبي دون انتظار موعد الفحص الدوري التالي.
الخوف من الألم أو التشخيص.. كيف يؤثر العامل النفسي؟
أظهرت النتائج أن الخوف من الألم والخوف من اكتشاف السرطان من العوامل التي قد تعرقل قرار إجراء الماموجرام. وقد يرتبط القلق أحيانًا بتجارب سابقة أو بمعلومات غير دقيقة عن الفحص أو بالعواقب المتوقعة في حال اكتشاف مشكلة صحية.
ويحتاج التعامل مع هذه المخاوف إلى تواصل طبي واضح يشرح طبيعة الإجراء وما يمكن توقعه خلاله، مع إتاحة الفرصة للمرأة لطرح أسئلتها ومناقشة أي تجربة سابقة سببت لها الانزعاج.
كما أن اكتشاف تغير يحتاج إلى فحوصات إضافية لا يعني تلقائيًا وجود سرطان؛ إذ تتطلب النتائج غير الطبيعية تقييمًا طبيًا لتحديد طبيعتها والخطوة المناسبة بعدها. ويساعد توضيح هذه النقطة على الحد من ربط الفحص بنتيجة مخيفة مسبقًا، وتشجيع النساء على اتخاذ القرار بناءً على المعلومات الطبية.
توصية الطبيب قد تغيّر قرار الفحص
تلفت الدراسة الانتباه إلى أهمية التوصية الطبية، بعدما تبين أن نسبة كبيرة من المشاركات لم يتلقين توصية من الطبيب بإجراء الفحص. ويشير ذلك إلى أن زيارة مركز الرعاية الأولية قد تمثل فرصة مهمة لمناقشة الكشف المبكر، وتحديد مدى ملاءمة الماموجرام لكل امرأة.
ويمكن أن تسهم مراجعة التاريخ الصحي والعائلي، وتوضيح العمر المناسب لبدء الفحص والفواصل الزمنية بين المواعيد، في تحويل التوعية إلى خطوات عملية. كما قد تساعد الرسائل التذكيرية والمواعيد المنظمة على تقليل احتمالات نسيان الفحص أو تأجيله لفترات طويلة.
وفي المقابل، لا ينبغي تطبيق جدول واحد على جميع النساء دون تقييم؛ فمواعيد الفحص قد تختلف بحسب العمر والتاريخ العائلي والعوامل التي ترفع مستوى الخطورة، ويظل الرجوع إلى الطبيب أو الجهة الصحية المختصة ضروريًا لتحديد الخطة المناسبة.
كيف يمكن تقليل فجوة الكشف المبكر عن سرطان الثدي؟
تؤكد نتائج الدراسة أهمية الجمع بين التوعية الصحية والتواصل المباشر مع النساء وتسهيل الوصول إلى خدمات الفحص. ويمكن أن تبدأ الجهود بتقديم معلومات مبسطة تشرح الفرق بين الفحص الوقائي والفحص التشخيصي، وتوضح أن عدم وجود أعراض لا يلغي الحاجة إلى تقييم مدى ملاءمة الكشف المبكر.
ومن الإجراءات التي يمكن أن تدعم الإقبال على الفحص:
- تعزيز التوصيات الطبية: من خلال مناقشة الفحص خلال الزيارات الدورية للرعاية الأولية، وتوضيح توقيته المناسب لكل حالة.
- تقديم معلومات موثوقة: لمواجهة الاعتقادات غير الدقيقة بشأن الألم والإشعاع والنتائج المحتملة.
- استخدام التذكير بالمواعيد: عبر الرسائل أو الاتصالات المنظمة، مع مراعاة الخصوصية وسهولة الوصول إلى الخدمة.
- مراعاة ظروف النساء العاملات: من خلال دراسة مدى ملاءمة مواعيد الفحص وإجراءات حجزه لاحتياجاتهن اليومية.
- توفير الدعم النفسي والمعلوماتي: لمساعدة النساء على التعامل مع القلق والحرج وطرح الأسئلة قبل إجراء الفحص.
وتظل هذه الخطوات مقترحات عملية تتسق مع العوائق التي رصدتها الدراسة، بينما يتطلب تقييم فاعليتها تطبيق برامج صحية مناسبة ومتابعة نتائجها.
دراسة بحرينية تكشف فجوة في فحوصات سرطان الثدي.. لماذا لا تجري النساء الفحص الدوري؟
تكشف الدراسة البحرينية أن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بمعرفة أهمية الكشف المبكر، بل بقدرة النساء على تحويل هذه المعرفة إلى التزام مستمر بالفحص في مواعيده المناسبة. فبينما سبق لنحو 6 من كل 10 مشاركات إجراء الماموجرام مرة واحدة على الأقل، لم تتجاوز نسبة من خضعن له خلال الفترة الموصى بها 19.6% في العينة التي شملها البحث.
وتبرز النتائج أهمية التوصية الطبية الواضحة، وتصحيح الاعتقادات الخاطئة، والتعامل مع المخاوف النفسية والعوائق اليومية التي قد تؤدي إلى التأجيل. ومع ذلك، تظل الدراسة محدودة بالعينة التي شملتها من النساء البحرينيات المراجعات لمراكز الرعاية الصحية الأولية، ولا يمكن اعتبار أرقامها تمثيلًا تلقائيًا لجميع النساء في البحرين.
وفي النهاية، فإن تحسين معدلات الكشف المبكر يحتاج إلى تعاون بين المؤسسات الصحية والأطباء والنساء أنفسهن، مع الاعتماد على المعلومات الموثوقة وتحديد مواعيد الفحص وفق الإرشادات الطبية المناسبة. فالتوعية الأكثر فاعلية ليست التي تكتفي بتذكير المرأة بأهمية الفحص، بل التي تساعدها على فهم حاجتها إليه واتخاذ الخطوة العملية في الوقت المناسب.
اقرأ أيضاً..
مقهى وبطاقات تجميع في مكان واحد.. لماذا تظهر مفاهيم جديدة للمقاهي في البحرين؟
قبل حجز البوتوكس أو الليزر.. كيف تفرقين بين الإجراء التجميلي والعلاج الطبي؟




