الجامعة الأهلية في البحرين تطرح سؤالًا مهمًا: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّم دون أن يحل محل التفكير البشري؟
تعددت استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل الجامعات خلال الفترة الأخيرة بشكل كبير جدًا، بداية من إعداد الأبحاث إلى تحليل المعلومات وإنجاز المهام الدراسية، وهذا الاتساع والتعدد يبرز تحدٍّ أساسي أمام مؤسسات التعليم العالي: كيف تستفيد من سرعة التكنولوجيا وقدراتها، دون أن تتحول إلى بديل عن التفكير النقدي والتفاعل الإنساني؟ هذا السؤال كان محور مشاركة أكاديمية حديثة للجامعة الأهلية في البحرين، من خلال بحثين ناقشا مستقبل التعليم الجامعي في عصر الأنظمة الذكية، وأهمية الحفاظ على دور الإنسان في بناء المعرفة وتقييمها.
وخلال الأيام الماضية، شارك ثلاثة من أساتذة الجامعة الأهلية في مؤتمر «SAMYRAD 2026» العلمي الدولي، الذي استضافته جامعة CEU فرناندو الثالث بمدينة إشبيلية الإسبانية يومي 5 و6 أكتوبر 2026، بمشاركة باحثين وأكاديميين ومتخصصين ناقشوا العلاقة المتنامية بين الذكاء الاصطناعي والتعليم العالي، والتحولات التي تفرضها التقنيات الحديثة على مهارات الطلاب واحتياجات سوق العمل.
الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير.. لا يكفي أن نحصل على إجابة
ركز البحث الذي قدمه الدكتور عمار الحواج، مساعد رئيس الجامعة للاتصالات والعلاقات الدولية، والدكتورة فاطمة الظاعن، الأستاذ المساعد بكلية الأعمال والتمويل، على دور الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) في دعم الابتكار التعليمي المسؤول.
وتقوم الفكرة الأساسية لهذا الاتجاه على مساعدة المستخدمين في فهم كيفية وصول الأنظمة الذكية إلى مخرجاتها، بدل الاكتفاء باستقبال النتائج والتعامل معها باعتبارها صحيحة بصورة تلقائية. وفي البيئة الجامعية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة؛ إذ يحتاج الطالب إلى تقييم المعلومات ومراجعة الأدلة ومقارنة الإجابات بالمصادر الموثوقة، لا مجرد الحصول على نص جاهز.
وتناولت الورقة أيضا أبعادًا تربوية وأخلاقية ترتبط بالشفافية والثقة والمساءلة والإنصاف، وهي عناصر مهمة عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي. فكلما زاد حضور هذه الأدوات في العملية التعليمية، ازدادت الحاجة إلى فهم حدودها والتحقق من مخرجاتها والتعامل معها بمسؤولية.
ولا تتوقف أهمية هذه القضية عند الطلاب وحدهم، بل تمتد إلى أعضاء هيئة التدريس، الذين يواجهون تحديًا في تطوير أساليب تعليم وتقييم تساعد على قياس فهم الطالب الحقيقي وقدرته على التحليل، بدل الاعتماد على جودة النص الذي يستطيع إنتاجه باستخدام الأدوات الرقمية.
ورش العمل الجماعية.. ما الذي يظل في يد الإنسان؟
أما البحث الثاني، الذي قدمته الدكتورة ماريا صابري، الأستاذ المشارك بالجامعة الأهلية، عبر الاتصال المرئي، فناقش موضوع «ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استبداله في التعليم: قيادة نظام تعليمي قائم على ورش العمل الجماعية لكليات الأعمال».
وتناول البحث توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساندة ضمن نظام تعليمي وتقويمي يعتمد على ورش العمل الجماعية، مع الحفاظ على القيادة البشرية والتفاعل بين المتعلمين.
كما استعرض تطور هذا النظام خلال الفترة من 2023 إلى 2026، من التعليم الورقي إلى التعلم الإلكتروني، ثم إلى نموذج مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مع التركيز على التشارك والتوجيه الذاتي وتنمية مهارات العمل الجماعي والذكاء العاطفي وما وراء المعرفة.
وتطرح هذه المقاربة سؤالًا مهمًا حول مستقبل التعليم الجامعي: هل يمكن قياس استعداد الطالب للحياة المهنية من خلال الاختبارات والمعلومات التي يمتلكها فقط؟ أم أن قدرته على التعاون، وتبادل الأفكار، وحل المشكلات، والتعامل مع المواقف المختلفة تمثل جزءًا لا يقل أهمية من تكوينه الأكاديمي؟
وتكتسب هذه المهارات أهمية خاصة في كليات الأعمال، حيث تتطلب بيئات العمل اتخاذ القرارات ضمن فرق، وفهم احتياجات العملاء، وإدارة الخلافات، والتواصل بفاعلية. وهي جوانب لا يكفي فيها استخدام التكنولوجيا وحده، بل تحتاج إلى ممارسة وتفاعل وتوجيه بشري.
من البحث الأكاديمي إلى احتياجات سوق العمل
تتجاوز أهمية البحثين النقاش النظري حول التكنولوجيا، لتصل إلى سؤال يهم الطلاب وأولياء الأمور: ما المهارات التي ينبغي أن يكتسبها الطالب خلال سنوات الجامعة حتى يكون مستعدًا للتحولات المهنية المقبلة؟
فمع توسع استخدام الأنظمة الذكية في تحليل البيانات وتنظيم المعلومات وإنجاز بعض المهام، تزداد أهمية قدرة الخريج على التحقق من النتائج، وفهم السياق، والتواصل، والعمل الجماعي، واتخاذ القرارات المدروسة.
ومن ثم، لا يتمثل التحدي في استخدام الذكاء الاصطناعي أو رفضه، بل في تحديد المهام التي يمكن أن يدعمها، والجوانب التي تتطلب حكمًا بشريًا وخبرة متخصصة.
وتعكس مشاركة أساتذة الجامعة الأهلية في مؤتمر «SAMYRAD 2026» حضور موضوع الذكاء الاصطناعي المسؤول ضمن النقاش الأكاديمي الدولي، من خلال مقاربتين؛ إحداهما تركز على شفافية الأنظمة الذكية وإمكان تقييم مخرجاتها، والأخرى تبحث في الحفاظ على التفاعل الإنساني والعمل الجماعي داخل البيئة التعليمية.
ويبقى الجانب الأهم في هذا النقاش هو الانتقال من الأفكار البحثية إلى الممارسات القابلة للتقييم، بما يتيح معرفة أثرها الفعلي على تجربة الطلاب ومهاراتهم.
فمستقبل التعليم لا يتحدد بكمية الأدوات التقنية المستخدمة من جانب الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بقدرة المؤسسات الأكاديمية على توظيفها في بناء متعلم يفهم ما يستخدمه، ويتحقق مما يتلقاه، ويستطيع التفكير والعمل بصورة مستقلة ومسؤولة.




