مقالات

الناقد أحمد فرحات يكتب: بث مباشر

بقلم: الناقد أحمد فرحات

شعر ؛ أسامة مهران ، مارس ٢٠٢٦

لمْ أكتبْ كَلماتي المأثورةَ بعد.

لمْ أتملقْ فاتنةً في الصورةْ

أو غاضبةً مغرورة.

او عهد .

لكنّي حِينَ قرأتك

قررتُ بأنْ أمنحَ نفسي

فرصةَ عمرٍ أُخرى

وأشدُّ رِحَالي شدْ .

حِينَ نزعتُ فتيلَ اللحظة

وتركتُ لقلبي حريةَ بثٍّ مسئولةْ

أو ضغطةَ زرٍ معسولةْ

أيقنتُ بأنّه لا طائلَ منك

لوْ موتُ كِياني فيك

أو روضتُ جموحَ لياليك

أو سيرتُ رياحك عن بُعد

أسرفتُ كثيرا بعطائي

ضحّيتُ بكافة أعضائي

وتركتُ بلادي وعمادي

وهدايا الجدةِ والجدْ .

اعترفُ بأني مسئول

عن كلِّ خطايا أيّامي

عن كلِّ المطروحِ أمامي

عن ضربةِ حظ

أو وعدْ .

أمتي

يا مربطَ أفراسي

يا كلَّ مساسٍ بتماسي

يافجرا يبيضُّ ويسودْ

سأغيرُ وجهتي عنك

سأجمعُ أشلائي منك

وأعد أصابعيَ عدْ .

ينتمي هذا النص بوضوح إلى شعر الاحتجاج المعاصر، وهو قريب من خطاب القصيدة السياسية الساخرة التي تمزج بين اللغة اليومية والغضب الأخلاقي. وهو نصٌّ شعري غنيّ بالتحولات الدلالية، ويتحرك بين الاعتراف الذاتي، والخيبة العاطفية، ثم الانعطاف نحو خطاب الأمة. ويرتكز النص على بنية درامية متنامية من خلال حركة الاعتراف الأولي: (لمْ أكتبْ كلماتي المأثورة بعد/لم أتملق فاتنة في الصورة)
فهذه بداية مثيرة، ذكية، تبدأ بالنفي لأنها تؤسس لـشاعر يرفض الزيف الأدبي الذي يخلق صوتا شعريا صادقا لا شعارات كاذبة.

ويوظف الشاعر أسامة مهران حركة الانخداع ثم الوعي بواسطة استخدام الحرف الاستدراكي(لكني) التي تحدث المفاجأة والانتباه. ومن خلال لغة معاصرة معيشة يمنح النص عافيته فيوظف مفردات سائدة في تلك: الآونة نحو: فتيل-اللحظة-حرية بث-ضغطة زر- سيرتُ رياحك عن بُعد في إشارة طريفة للمسيرات التي نتحكم فيها عن بعد.
هذه مفردات تنتمي إلى عصر الحرب التكنولوجية والإعلام المصاحب لها لكنها اندمجت في الشعر دون افتعال.

أما ذروة التحول في النص فيتمثل في استخدام سلسلة من أفعال التضحية: أسرفت كثيرا بعطائي/ضحيت بكافة أعضائي/وتركت بلادي وعمادي/وهدايا الجدة والجد. وهذه الأفعال تأتي مشحونة بعاطفة قوية تجسد ثلاثية الجسد والوطن والذاكرة مما يجعله يخلق طبقات دلالية متعددة عن طريق تناسل الدلالة فيمهد حقا للاعتراف الأخلاقي، بما يشي بجلد الذات ونقدها : أعترف بأني مسؤول عن كل خطايا أيامي.

وفي تحول مفاجئ آخر نجد انفجارا عاطفيا قوية عندما يتحول بعاطفته إلى الأمة العربية، وهنا، نسمع صوت صرخة مدوية في قوله: سأغير وجهتي عنك/سأجمع أشلائي منك/وأعد أصابعي عد.
تغيير الوجهة عن الوطن الكبير وهو أمر خطر، ثم انتزاع أعضائه المنغرسة في تراب الأمة، وهو أكثر خطورة، حتى يصل إلى الانفجار القوي في المفاجأة الكبرى بتصوير الأمة بأحد التجار الجشعين الذي استلب كل شيء من قلب المواطن وجيبه وأصبح إذا سلم عليه يعد أصابعه بعد السلام، كناية عن الشح والقحط الكامن في ضمير أمة لا تمنح أهلها مزيدا من الحرية ورغد العيش، فتكون خشية الشاعر من مجرد السلام باليد. وهي صور تدل على الانكسار ثم محاولة إعادة التكوين. فالصورة المشحونة بعاطفة الخوف وعدم الثقة من المسؤولين (أعدُّ أصابعي عد) تحمل دلالة مجازية ساخرة أو تحذيرية في الثقافة العربية، وتُقال غالبًا في سياق عدم الثقة الشديدة بالشخص.

فالمعنى الضمني للصورة:
أنَّ هذا يواجه شخصا لصّا أو محتالا أو شديد المكر إلى درجة أنّك بعد مصافحته تخشى أن تكون قد فقدت إصبعًا من أصابعك، فتقوم بعدّها للتأكد من أنها ما زالت موجودة.

وحسنا فعل الشاعر أسامة مهران عندما هبط في بعض الأحيان إلى اللغة التقريرية المباشرة، وتجنب التعبير الرمزي في تصوير حال الأمة في هذه الآونة الراهنة، وما تبتلى فيها من حروب وقضايا سياسية كبرى تثبت في كل موقف من مواقفها تدني الأداء وسوء التقدير للأمور، فهي جرأة وشجاعة في تجسيد الموقف الحالي لأمة فقدت السيطرة على مقدراتها ومكتساباتها وحضارتها.

مما جنح به إلى محاولة الانفصال عنها، واسترداد ما تم غرسه في الضمير من التمسك بكل حبة رمل، وكل قطرة ماء، وكل قطرة دم راحت فداء لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى