مقالات

الناقد أحمد فرحات يكتب: الكبت والقلق الروحي

بقلم: أحمد فرحات

يمتاح أشرف عبد الفتاح من معين النفس الإنسانية، وهي بطبيعتها غامضة، تتراءى أمامه الأشياء في ثنائيات متناقضة بطبيعتها. كالظل والنور، والظلام والضياء، الحياة والموت، الحب واللاحب، الرغبة وكبتها، الصمت والبوح.. والشاعر إذا استبطن نفسه، وغاص في دهاليزها، وجاب جوانبها شقي وعانى معاناة شديدة؛ لأنها أمارة بالسوء دائما. وهذه النفس تدعو الغائص فيها إلى ما لا يحمد عقباه، لذا يلزمها من ضابط يضبط تهورها، وهذا الضابط هو الضمير الذي يدعو إلى التريث والحكمة، فيقع الإنسان بين مطرقة النفس وسندان الضمير، فينتج عن ذلك صراع بين رغبتين: رغبة النفس واشتهائها، ورغبة الضمير وتيقظه، فيحل بالشاعر عندئذ حالة من التردد والقلق والحيرة، “فالقلق هو نزاع شديد بين رغبتين متناقضتين كل منهما تحاول أن تملي رغبتها” تأمل قوله في محاولتين للتمرد والإحساس بالقلق..

(1)

أغنية من وهج الشمس

تحاول إشعال الرغبة في شيء

لا تعقله الرأس

لكني

أتدثر بالنسيان..

وبالهذيان أحاول أن أتملص…

حتى تمضي

سنوات الهم

وأعيد الحنجرة المبحوحة

للداخل

أو أجعل أطراف لساني

في خلف الفم

أغنية من وهج الشمس تحاول

لكنّي

(2)

همهمة من رئة الظل

تحاول إطفاء الرغبة في شيء

قد أدمنه العقل

لكني

-في كوم الكلمات المنثالة-

أبحث عن وقتي

وأدور

أدور برأسي

في ردهات الحرف ..

لأصعق موتا ينتظر سجودي

تحت سنابك صمتي

همهمة من رئة الظل تحاول

لكني

لكني.

يكفي أن تقف عند البداية والخاتمة معا في النصين لتدرك مدى القلق النفسي الذي يعتري الشاعر جراء صراع رهيب بين اشتهاء الرغبة، وانطفائها، بين عجز الصمت والسكوت وقدرة التصريح والبوح، ووقوف الشاعر مترددا إزاء الصراع الناجم عنهما، وهنا يؤكد فرويد أن سبب القلق والاضطراب هو الكبت الجنسي أو بمعنى آخر مرده –سواء عن طريق مباشر أو غير مباشر –مرده الميل للإشباع الجنسي- مرده المجهود الكبير الذي يبذله ليكبت ذلك الميل.

يمكنك أن ترصد مظاهر القلق النفسي وبواعثه في نصوص الديوان برمته؛ ففي قصيدة الليليّ ينسرب إليك القلق خلف كل أداة استفهام، أو أسلوب نداء، أو أسلوب أمر، ومن كل صورة، أو تركيب لغوي في النص، فالشاعر تجافاه النوم، وبات قلقا مترددا جراء الحزن والفقد واليأس، والتفجع، والشقاء..

الفتى الليلي هل يدري

بأن السر في سفر

وأن الروح عاندها الوصول

إلى المطارات الشهية

والتراتيل المخبأة الخبيئة

والأراغيل

خبئ عيونك

عن طيور الليل ..

خبئ ..

أيها الليل

خبئ وانخطف نحوي.. انخلع

وابدأ طقوسك وانهها

 

وتأكيدا لظاهرة القلق النفسي في الديوان يمكن أن تقرأ قوله في قصيدة” صهد الواحة”:

بريق في السماء الرابعة

وفاتنة

تنفّض عن عباءتها الغبار

أو الندى

تروح وتغتدي

والأرض أسئلة

وهلوسة

وشيء خافت وموسيقى تئن

ينز أزيزها وجعا جميلا

وبنت تستحم ..

الرأس تحتلب النهود بشهوتين..

تحوِّط الجسد المندَّى

من جهات أربعة

بريق في السماء الرابعة

وتأمل معي هيئة البنت وهي تستحم، وقطرات الماء تنتثر فوق الجسد المندى، وإقرار الشاعر بذكر النهود والشهوة والجسد النسائي البض، وما عساه أن يخلق في ضميرك الباطني فإنك لا تلبث أن تبحث عن الباعث إلى ذلك، إنه المنع والكبت والحرمان حيث يصور االشاعر ما استقر في باطنه الذاتي فيطفو على السطح جليا. ثم تأمل معي أيضا بعض المفردات الدالة على القلق النفسي كالتميمة .. والنجمة ..والأقمار .. والهلوسة..  وشيء خافت(لاحظ مجيء كلمة شيء نكرة)، والهيكل الذي تصنم ألف دهر.. وكلها من معجم القلق النفسي. وهنا يؤكد سيجموند فرويد أن القلق مرده الحرمان والمنع والكبت؛ فعوامل الكبت تخلق في الإنسان روح التمرد والرفض والانفعال على ناموس الحياة.

يبذل أشرف عبد الفتاح جهدا كبيرا في نصوصه لتخرج إلى النور بهذا الإحكام؛ ولذا فهو شاعر مقل؛ فلم يطبع من أعماله سوى عملين اثنين: أكاذيبها تبيض لي عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 2003م، وثقب صفير في النافذة المفتوحة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة سنة 2010م. وبعض القصائد المنشورة في الدوريات والمجلات، وهذا قليل على شاعر قارب الخمسين ربيعا.

وعلى الرغم من قلة إنتاجه؛ فإن أشرف عبد الفتاح ينتظره مستقبل -نقدي وشعري- مشرق، لما تمتاز به قصيدته من إحكام بارع، ومهارة فائقة في توظيف مكونات الشعرية، والاعتداد بها على مستوى البنية السطحية والعميقة، وانتقاء المفردات الدالة، والصور المناسبة، والتنوع الموسيقي اللافت. يسيطر أشرف عبد الفتاح على القصيدة حتى تبدو أنها متكاملة بدءا من العنوان حتى الكلمة الأخيرة، والسيطرة هنا تعني أنه لا يترك القصيدة تسوقه أو تنحرف به عن مسارها الموضوع في الباطن الذهني عند عملية الخلق والإنشاء، ولذا تجد القصيدة كتلة واحدة أو نفثة واحدة، ويكون العنوان مكملا لمضمون القصيدة أو نابعا من أبعادها وجوانبها، محدثا للقارئ دهشة تستثير وجدانه، فلا يملك إلا التجاوب معها والانفعال بأثرها، ومن الطريف أنك تقرأ القصيدة بدءا من العنوان، فلا يستوقفك شيء فيها، وعندما تصل إلى الكلمة الأخيرة تجد أنك بحاجة شديدة إلى مراجعة العنوان وإعادة القراءة حتى تظفر بدهشة مثيرة. تأمل معي قراءة هذا النص المعنون بـ(دخول):

لو أني أدركتْ

أن رحيلكِ يعني الموتْ

أن بقاءك ..

يعني الموتْ

كنت ثقبت العالمَ

وخرجتْ

فما إن تفرغ من قراءة الكلمة الأخيرة(خرجت) التي تنتمي إلى الخروج والخلاص فستجد نفسك -لا إراديا- تعود إلى العنوان المنتمي إلى عالم الدخول والانتماء والوصول، لتربط للتو بين المفارقة البارزة بين الدخول والخروج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى