مقالات

الناقد أحمد فرحات يكتب: تلك الليلة

ستدخل عالمًا لا يُقرأ فقط، بل يُشاهد ويُعاش، ثلاثون ليلة نُسجت على بحر البسيط والوافر، حيث المسرح هو القلب، والخشبة هي الذاكرة، والبطلة. امرأة تنبض بالحياة والصدق والعشق الخالص.هنا، كل ليلة مشهد مسرحيّ مكتمل، يتخلله النداء، الحوار، الصدى، والانفعال، ويغمره ياسمين لا يعرف الخريف.

قصائد تحمل بين سطورها رحلة النضج العاطفي، وتفتح أبواب الاعتراف على مصراعيها في زمنٍ اعتاد الهروب.
“تلك الليلة” لياسمين عبد العزيز ليست بداية الحكاية فقط، بل هي مفاتيح الوعي، والحنين، والعشق… حين يولد فجأة في قلبٍ كان يظن أنه نجا.

يدهشني المبدع الذي يتخطى خط الإنشاء الفني ويتجاوزه إلى الإبداع النقدي، فقد قدمت ياسمين عبد العزيز لديوانها تقديم ناقد؛ وكأنها لم تطمئن إلى قول الناقد فمالت إلى تقديم نقدي واضح.
وفي تقديمها دهشة حقا فإنها –وحدها- تمتلك إحساسا صادقا بعملها، فهو من بنات أفكارها ووليدها الذي يحتاج رعاية خاصة.
تلك الليلة عتبة كبرى لافتة، تأخذك مباشرة إلى صدى هذه ليلتي لجورج جورداق بيد أن الأخير كتبها فصحى وياسمين كتبت العامية بمهارة وحرفية عالية.
لكن المدهش أيضا في الأمر أن ياسمين اتخذت العتبة الكبرى بالفصحى(تلك الليلة) ويبدو أن الليلة هي محور ارتكاز للشعراء يفصحون خلالها باعترافات وبوح مثير للغاية.
والشاعرة هنا لها مبرر في الانتقاء فقالت”حين تتفتح زهرة الياسمين لأول مرة على مسرح القلب، وحين يهمس الليل بسرّ لا يُقال إلا في عتمة الشعور، وحين تُضاء خشبة الحياة بعيون خجلى ، تولد “تلك الليلة”.وهو تبرير له قيمته الفنية من حيث الاختيار.
الأمر الجدير بالتنبيه في هذا العمل الفني القيم أن الشاعرة تتخذ من العنوان مرتكزا لكل قصائد الديوان، ثم تنطلق في كل نص برؤية مختلفة؛ فهي تارة تستسلم للقدر، وتحسن استقبال الليل وما فيه من مظاهر الطبيعة كالقمر والأشياء التي تتطاير من الفراش، وهي لا تملك إلا الاستسلام والخضوع لسلطان المحبوب.
وتارة زهرة ذابلة غارقة في الذبول والفناء وفجأة جاءها طل فأوظها من ذبولها المختار.
والياسمينة…
آه يا زهرة
الطُهر الغافي
كانت مكسورة،

ما فيها
عِطر، ولا هَوى
ولما حضنتك بعيوني،
ارتوت تاني
ونَبَت فيها قلب،
واتفتح فـ المرايا سَنا
وبين الذبول والاستسلام تنشأ يقظة وعي تحاول أن توقظها من ذبولها، واستسلامها لتستفيق على درجة قصوى من درجات الوعي، والوعي غير مطلوب هنا إطلاقا لكنها كانت تنتبه بشدة وتقول

قالولي:
“الحب حلم”،
قولت:
“ده الوَعي بيه”
يقظة،
وصّحوة،
والبَرد اللي بيِدفّي
ده الوطن،
الوعي واليقظة والصحوة أدت إلى الشعور بالانتماء إليه، حقا شعور طيب أن يجد المرء وطنا بديلا لوطن المعاناة اليومية وقسوة الحياة المعيشة، الصحوة والوعي واليقظة نبهت الشاعرة تنبيها يشي باللجوء إلى اختيار وطن بديل تشعر فيه بحياة جديدة بدأت تدب في أوصالها.
وسرعان ما يتحول المحبوب إلى طقس من طقوس الحياة المقدسة، وسر من أسرارها غير المدنسة، لتتقل من امرأة واهمة إلى امرأة فاهمة، ومن امرأة عنيفة إلى امرأة شفيفة، ومن أليمة إلى حكيمة، ومن امرأة صامتة إلى ناطقة، ومن حال خفية إلى حال جلية وهي تبوح بعمق..
ده حبّي ليك مش عادي
ده طقس،
ده سر،
ده فرح،
ده ميلاد تاني
لواحدة كانت في رمادِ
وواعية وأنا بقولها…

اقرأ ايضا:

الناقد أحمد فرحات يكتب: نص واحد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى