الناقد أحمد فرحات يكتب: ذات الأكمام

اختار عبد العزيز بن علي الحربي عنوانا لافتا، نابعا من البيئة المحيطة به، ورمزا لعلم المملكة العربية السعودية، وفوق ذلك مقتبس من القرآن الكريم، في قوله تعالى “وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ” الرحمن آية 11. وقوله تعالى:” إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ” فصلت آية 47. يعني الحربي بذات الأكمام النخلة، وهي ذات فوائد جمة، لا ينكرها أحد، ولذا اختارها عنوانا لمقاماته، مذيلا العنوان الأم بكلمة (مقامات أدبية). ويشير إلى ذلك في قوله: و”كتاب (ذات الأكمام) نخل باسقات لها طلع نضيد، ومن طلعها قنوان دانية قدم منشؤها على صحاف من جواهر البيان..

ويشير الحربي في إهداء المقامات إلى إخوانه، وزملائه المجمعيين (أعضاء مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية) حماة اللغة، وحراس العربية مما ينبئ عن تحديد الفئة المستهدفة للخطاب ولذا يتوقع أن نقرأ له في هذا الإطار اللغوي المتين، والأسلوب الرصين.  

تطل اللغة المعجمية التراثية على المقامات جميعا، وهي لغة تراثية بث فيها الحربي روح الحياة من جديد لإعادة استخدامها عبر متواليات مقامية رصينة، اتخذ الحربي من مصطلح المقامات عنوانا كبيرا لكتابه، ووصفها بأنها أدبية إمعانا في إبراز الموضوع الأدبي نفسه، وإحياء له من جديد.

ومن خلال مقدمة المقامات يبين الحربي سبب اهتمامه بفن المقامات، وهو أنه أراد أن يقدم لطلاب العلم والباحثين عن جمال اللغة العربية زادا يقتاتون به، ومعينا من الماء الشبم لا ينضب من تذوقه، فيقول:” وما هذه المقامات الأدبية، والسجعات النثرية، إلا لون من ألوان طيفها اللماع، ونغم تلذ له الأسماع، وأغصان ترقص على الإيقاع، أنشأتها لأهل العلوم، وأرباب الفنون، وأدوعت فيها من العلم فنونه، وجوهره ومكنونه، … ليكون حافظها نابغة أقرانه إذا رغب، وابن دريد إذا طرب، وأبا عثمان الجاحظ إذا كتب، وواصل بن عطاء إذا خطب.” فهدفه من وراء كتابتها تعليمي تثقيفي ينشد فيها الجمال والمتعة واللذة. وهو لم يفته أن يشير إلى أصحاب المقامات الأوائل ممن أثروا العربية بحبات الدر، ولآلئ النثر، فذكر فتى همذان، بديع الزمان، وذكر صاحب الحرير، ومقاماته الغرر، وذكر السيوطي، واليازجي صاحب مجمع البحرين.. وغيرهم مما يدل على شغفه بفن المقامة عند رواده.

اختار الحربي كنية له، على غرار المقامات القديمة، فانتقى أبا العينين ويعني به أنه من عقلاء الثقلين، “وستأتي روايته عن “أبي الإسحاق” كنية رجل من الأصحاب، غير معيّن، وأما الحشكظي فهو بطل أسمار “المقامات” العلمية، وحروفه ترمز إلى المذاهب الفقهية، الحاء للأحناف والحنابلة، والشين للشافعي، والكاف لمالك، والظاء للظاهرية، والياء لغيرهم، والمراد أنه يجمع المذاهب كلها، ولا يتعصب لأحد منها، ولا من غيرها. ”        

واستنادا إلى ما سبق فإن الحربي بدا في مقاماته تقليديا في نهجه اللغوي، فهو يسير على خطى سابقيه، واختيار طائفة معينة لتوجيه الخطاب إليها دليل على مقصدية التوجه، فمن يقرأ للحربي هو المتخصص في علوم اللغة، ومعرفة كنوزها، وليس القارئ العادي الذي يرغب في متابعته والاستزادة من معارفه. ومن هنا فقد ضيق على نفسه ما اتسع، وربما يغفر له حسن مقصده، وسلامة نيته، في إحياء هذا الفن القابع في بطون كتب القدماء، دون نبش لآثاره وما يترتب عليه من أصداء واسعة.

في المقامة الفارانية اختار الحربي لنفسه اسم أبي العينين، واختار راوية اسمه أبو اليسر، ثم شرع في مقامته معرفا بالمكان المقدس، اسما ومعالم جغرافية من مساجد وجبال واستظهار معرفته بأسماء مكة في القديم والحديث. ويبدو الغرض التعليمي جليا في مقامته، واستعراض مهاراته اللغوية والمعرفية والسياحية بالمكان. فيقول: فلما دنونا من جبال خندمة، قال: أتدري أسماء مكة المكرمة؟ قلت: لا أدري، فأوقدْ لي فكري. فإني لا أعرف منها إلا مكة، وأم القرى، وبكة، والبلد، ومعاد، والبلدة والواد، وجميعها في الذكر، يا أبا اليسر، فقال منشدا:

لأم القرى أسما: رَتَاجٌ وقَادسٌ    وكُوثى وأم الرُّحْم برَّةُ والعذرا

وَرُحْمٌ عريشٌ حُرمةٌ وعَرَوضها     وحاطمةٌ رأسٌ وعرشٌ بها أحْرى

ثم يلتفت إلى مساجد مكة المكرمة، وتحديد تخومها، وأصالتها، استقاء مما جاء في كتب التارخ والجغرافية القديمة، ولا بأس من التعرض لجبال مكة، معرفا بها جبلا جبلا، ومحددا مواضعها، وعراقتها. فهو لم يزد عن كتاب أطلس في التعريف بالمكان وأهميته السياحية والثقافية، مستعرضا قدرته اللغوية، وصناعة السجع، وتوازن الصيغ، والجمل، في مهارة تذكرنا بمهارة القدماء في اصطناع رسم المشاهد الطبيعية، ورسم ملامحها بلغة تراثية عتيقة، محاولا إعادة بعثها بعد أن هجرها ذووها. وتتضح شخصية الكاتب في النص بشكل لافت، فقد اطلع على أمهات الكتب التاريخية والجغرافية، وكتب السيرة والتاريخ، ليكون حصيلة معرفية واسعة، يبهر بها ابن القرن الحادي والعشرين. كما تبدو السمة الدينية جلية في استعراضه لمساجد مكة المكرمة، ومعرفته بمواضعها، ومحاولة إيصال أفكاره إلى القارئ ليقف على معالم الأماكن المقدسة بقدمين ثابتتين. كما تبدو ثقافته المعرفية بتاريخ أسماء الجبال والمساجد المعروفة وغير المعروفة. وتبدو ثقافة الحربي الواسعة في قرضه للشعر، والأبيات أشبه بالنظم وليس الشعر، فليس فيها من مائه شيء، غير أنها تبدو تعليمية بشكل لافت.

المرأة في مقامات الحربي

عرض الحربي مقامته النسائية عن طريق راويته أبي العينين حيث ذكر له راويته ثلاث نساء تحت عنوان المقامة المسيارية، ومن العنوان يتبين لنا أنه يتناول زواج المسيار وما يترتب عليه من أصداء وآثار، يعرضها الكاتب بسخرية سوداء، على غرار حديث أم زرع التي روته للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: جلس ثلاث نساء، يتحدثن في المساء، حديث اللهو والمسرات، على الشاي والمكسرات، واتفقن أن يكشفن عن بعولتهن الستار، ويتبادلن الأسرار، وكأنما نما إلى السمع، حديث أم زرع …

وحكت الأولى قصتها مع زوجها، وكيف تطور الأمر بينهما حتى استحال الزواج إلى طلاق، ومع اختلاف ثلاث القصص فإن النهاية واحدة هي الطلاق، مع المحافظة على أسلوب الكاتب الرصين، واعتماد غريب اللغة، وسجعاتها، والزخارف اللفظية.

زوج الأولى”له مسجد يخطب فيه الجمعة، ويصلي الخمس بمن معه..

الثانية لها زوج كان أحد أعيان التجار، في بيع العقار،…

أما الثالثة فلها زوج خطيب داعية، تعي خطبه آذان واعية،…

فعلى الرغم من أن الحكايا كلها عن النساء فقد اجتمعن جميعا على حكايا الأزواج، ولم نشعر بدواخل النساء سوى أنهن طلقن وعدن إلى بيت الأب، مكسورات القلب، فلا تشعر إلا بالتعاطف معهن. وهكذا جاءت مقامات الحربي آية في اللغة الرصينة، بألفاظها المهجورة، إحياء لها من الضياع، والنسيان، ويتجلى الهدف التعليمي جلاء كاشفا لكل قارئ.    

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى