في ذكرى رحيله.. حلمي سالم شاعر الحداثة الذي أثار الجدل وترك إرثًا أدبيًا لا يُنسى

تحل اليوم ذكرى وفاة الشاعر والناقد المصري حلمي سالم، أحد أبرز رموز جيل السبعينيات في الشعر العربي الحديث، والذي رحل عن عالمنا في 28 يوليو 2012 بعد رحلة حافلة بالإبداع والجدل الثقافي، ويظل حلمي سالم واحدًا من أهم الأصوات الشعرية التي أسهمت في ترسيخ قصيدة الحداثة في مصر والعالم العربي، حيث جمع بين الإبداع الشعري والنقد الأدبي والعمل الصحفي، وترك عشرات المؤلفات والدواوين التي ما زالت حاضرة في المشهد الثقافي حتى اليوم، كما ارتبط اسمه بإحدى أشهر القضايا الفكرية التي شهدتها الساحة الأدبية المصرية في العقد الأول من الألفية الجديدة.

من هو الشاعر حلمي سالم؟

وُلد حلمي سالم عام 1951 بمحافظة المنوفية، ونشأ في بيئة مصرية أصيلة أسهمت في تشكيل وجدانه الثقافي والشعري منذ سنواته الأولى، التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وحصل على ليسانس الصحافة، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية في الصحافة الثقافية، حيث عمل بجريدة الأهالي، وتولى منصب مدير تحرير مجلة “أدب ونقد”، كما رأس تحرير مجلة قوس قزح الثقافية المستقلة.

واستطاع أن يجمع بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي، ليصبح أحد أبرز الوجوه المؤثرة في الحركة الثقافية المصرية.

حلمي سالم وجيل السبعينيات

يُعد حلمي سالم من أهم شعراء جيل السبعينيات، وارتبط اسمه بجماعة “إضاءة” الشعرية، التي شكلت مع جماعة “أصوات” علامة فارقة في تاريخ الشعر المصري الحديث.

وضمت هذه التجربة أسماء كبيرة، من بينها: حسن طلب، جمال القصاص، رفعت سلام، أمجد ريان، محمود نسيم، وكان حلمي سالم من أكثر الأصوات الشعرية دفاعًا عن الحداثة والتجريب، وهو ما انعكس بوضوح في أعماله الإبداعية والنقدية.

جائزة التفوق في الآداب

تُوجت مسيرته الأدبية بحصوله على جائزة التفوق في الآداب عام 2006 عن مجمل أعماله الإبداعية، في اعتراف رسمي بمكانته الكبيرة داخل المشهد الثقافي المصري والعربي، بعدما قدم عشرات الدراسات والدواوين التي أثرت المكتبة العربية.

أزمة قصيدة “شرفة ليلى مراد”

يظل اسم حلمي سالم مرتبطًا بإحدى أشهر القضايا الأدبية في مصر، بعدما نشرت مجلة إبداع التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب، في شتاء عام 2007، قصيدته “شرفة ليلى مراد”، والتي كانت منشورة من قبل ضمن ديوان “الثناء على الضعف”.

وأثارت القصيدة جدلًا واسعًا، بعدما قررت الهيئة المصرية العامة للكتاب سحب أعداد المجلة من الأسواق، بدعوى احتواء القصيدة على عبارات اعتبرها البعض مسيئة للذات الإلهية.

كما أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف تقريرًا اعتبر القصيدة تحمل أفكارًا وصفها بـ”الإلحاد والزندقة”، لتبدأ بعدها حملة واسعة طالبت باستتابة الشاعر وسحب جائزة التفوق منه.

معركة قضائية بسبب الجائزة

في أبريل 2008، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا يقضي بعدم أحقية حلمي سالم في الاحتفاظ بجائزة التفوق في الآداب، استنادًا إلى الجدل الذي أثارته القصيدة.

كما أقام الشيخ يوسف البدري دعوى قضائية طالب فيها وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني، والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة علي أبو شادي، بتنفيذ قرار سحب الجائزة.

لكن المجلس الأعلى للثقافة طعن على الحكم، مؤكدًا أن منح الجائزة تم بقرار من لجنة مستقلة داخل المجلس، وليس بقرار فردي من الوزير، معتبرًا أن الدفاع عن الجائزة يمثل دفاعًا عن حرية الإبداع والتنوير.

رد حلمي سالم على الاتهامات

رفض حلمي سالم الاتهامات التي وُجهت إليه، مؤكدًا أن قصيدته لم تتضمن أي إساءة للعقيدة الإسلامية، وإنما كانت تنتقد حالة التواكل والجمود، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾

وأوضح أن النص الشعري استخدم لغة رمزية، وأن الأزمة نتجت عن قراءة حرفية للنص، لا تراعي طبيعة الشعر وأدواته البلاغية.

أبرز مؤلفات حلمي سالم

قدم حلمي سالم عددًا كبيرًا من الكتب الفكرية والنقدية، من أبرزها:

الثقافة تحت الحصار (1984).
الوتر والعازفون (1990).
هيا إلى الأب (1992).
العائش في الحق (1998).
حكمة المصريين (بالاشتراك).
الحداثة أخت التسامح (2001).
عِم صباحًا أيها الصقر المجنح.
ثقافة كاتم الصوت (2003).
صيف لبنان المشتعل (2007).
التصويب على الدماغ.
محاكمة شرفة ليلى مراد.
دواوين شعرية صنعت اسمه

ترك حلمي سالم أكثر من 18 ديوانًا شعريًا، من أشهرها:

حبيبتي مزروعة في دماء الأرض.
سكندريا يكون الألم.
الأبيض المتوسط.
سيرة بيروت.
البائية والحائي.
دهاليزي والصيف ذو الوطء.
فقه اللذة.
الشغاف والمريمات.
سراب التريكو.
الواحد الواحدة.
يوجد هنا عميان.
تحيات الحجر الكريم.
الغرام المسلح.
عيد ميلاد سيدة النبع.
مدائح جلطة المخ.
حمامة على بنت جبيل.
الثناء على الضعف.
أشهر قصائده

من أبرز قصائده التي لاقت اهتمامًا نقديًا واسعًا:

كبد.
آخر الرؤيا.
بديل.
وجود.
صعب.
تأثيره في الحركة الثقافية المصرية

لم يكن حلمي سالم شاعرًا فحسب، بل كان ناقدًا ومفكرًا وصحفيًا شارك في أهم المعارك الفكرية والثقافية، ودافع عن حرية الإبداع وحق الأدب في التجريب، وظل اسمه حاضرًا في الندوات والمؤتمرات الثقافية بوصفه أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في تطوير القصيدة العربية الحديثة.

ورغم مرور سنوات على رحيل حلمي سالم، فإن حضوره لا يزال قائمًا في الذاكرة الثقافية العربية من خلال دواوينه ودراساته ومواقفه الفكرية. وبين الإبداع والجدل، استطاع أن يترك بصمة خاصة جعلته واحدًا من أبرز شعراء الحداثة في مصر، لتبقى أعماله شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الشعر العربي المعاصر، ولتظل ذكراه مناسبة لاستعادة تجربة شاعر لم يتوقف يومًا عن البحث عن آفاق جديدة للقصيدة والفكر.

اقرأ ايضا:

الدكتور عبدالله يوسف الحواج.. كيف قاد الجامعة الأهلية في البحرين من حلم ناشئ إلى جامعة تنافس عالميًا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى