محمد غدية.. نصوص يتساقط منها الألم.. قراءة نقدية بقلم: حسين عبد العزيز

أجد أنه من المهم أن نتوقف أولًا عند الإهداء الذي استهل به الكاتب مجموعته، إذ يقول: “إلى المرأة الحلم التي تبادلني الابتسام كل صباح، في الرصيف الموازي لحزني، لا أدري من دس صورتك تحت وسادتي؟!”
هذا الإهداء يفتح الباب على مصراعيه أمام نصوص تقطر شاعرية، حتى إن كثيرًا من هذه النصوص كان يمكن أن يُكتب بوصفه قصائد نثر لو أراد المؤلف ذلك. وأشير إلى هذه النقطة منذ البداية لأن النص القصصي لا يخضع لتعريف جامع مانع، ولا توجد طريقة واحدة ثابتة لكتابته أو تعلمه، فالأدب في جوهره موهبة قبل أن يكون صناعة.
لكن الموهبة وحدها لا تكفي، إذ لا بد أن تسندها ثقافة واسعة ورؤية وقضية، حتى يتمكن المبدع من تقديم نصوص مشبعة بالوعي الإنساني والفني، وهو ما نجده حاضرًا بدرجات متفاوتة في هذه المجموعة.
إيقاعات
يفتتح الكاتب مجموعته بنص “إيقاعات”، وهو نص يعتمد على ضمير المتكلم، حيث يروي البطل حكايته بلغته الخاصة، ويقدم رؤيته للعلاقة بالمرأة التي استولت على وجدانه.
أثناء القراءة تذكرت واقعة حقيقية تشبه هذا النص؛ لرجل يعمل موظفًا في مستشفى عام، استقبل خلال إحدى نوبات عمله امرأة مريضة بدت له كإحدى الآلهة القديمة، فسقط في حبها من النظرة الأولى، ولم يفق من تلك الدهشة إلا وهو يوقع عقد الزواج. شعر حينها أن لديه متسعًا من العمر ليستمتع بما تبقى من “زيت السراج” قبل انطفائه.
ومن خلال هذا التصور يرسخ الكاتب فكرة أن المرأة تمثل الزيت الذي يضيء مصباح حياة الرجل.
المرأة… السحر
في هذا النص تتداخل مستويات السرد بين الراوي وبين الشخصية الرئيسية، وهي رجل تجاوز الأربعين تقريبًا، يرفض الزواج رغم تمتعه بالصحة والاستقرار المادي، دون سبب واضح.
يقرر أن يكتب همومه في قصة قصيرة ويشارك بها في إحدى المسابقات، لتفوز بالمركز الأول، رغم أنه لم يكن يعد نفسه قاصًا. وكأن الكاتب يشير إلى أن الحياة كثيرًا ما تمنح بعض الناس فرصًا غير متوقعة.
يحاول المؤلف هنا أن يفلسف معنى السعادة، ويجعل المرأة محورًا لهذه الفلسفة، إذ يحكي عن رجل أحب امرأة كانت تحب شخصًا آخر، لكنه ظل ممتنًا للحظات الحب التي عاشها، مهما كانت قصيرة.
فالمرأة والحب، في رؤية الكاتب، يمثلان المادة الخام للشعر والقصة والرواية والفن التشكيلي، بل وحتى للفلسفة، منذ سقراط مرورًا بنيتشه وشوبنهاور وصولًا إلى عبد الرحمن بدوي وغيرهم.
الحادث
في نص “الحادث” يعالج الكاتب واحدة من أكثر المآسي حضورًا في الواقع المصري، وهي حوادث الطرق، وعلى الرغم من قصر النص، فإنه ينجح في التعبير عن حجم الفاجعة التي تتكرر بصورة شبه أسبوعية، ويحمل المسؤولية للسائق غير المبالي أو غير المنتمي لمسؤوليته تجاه الآخرين، مقدمًا مأساة إنسانية مكثفة بلغة مقتصدة.
منصور والعبور
أرى أن فكرة هذا النص كانت تستحق معالجة أكثر اتساعًا، مع الاحتفاظ بلغته وفكرته الأساسية، يعتمد النص على راوٍ عليم يحكي عن “منصور”، أحد جنود حرب أكتوبر 1973، الذي ظل يروي لأبنائه وأحفاده ذكريات مشاركته في صناعة النصر.
وفي أحد الأيام تسقط صورة معلقة على الحائط، فيلتقطها ليقرأ لأول مرة الكلمات المكتوبة خلفها، فيكتشف أن شقيق زوجته أصيب بصدمة نفسية بعد أن شاهد أفراد طاقمه يتناثرون أشلاء في الحرب، وما زال يقيم داخل مصحة نفسية.
تتبدل مشاعر منصور سريعًا بعد اكتشاف الحقيقة، ويقول لزوجته: “غدًا نذهب لزيارته… ونخبره أننا ثأرنا للهزيمة.” ورغم جمال الفكرة، فإنها كانت تحتمل مساحة أكبر من التخييل والتكثيف الدرامي.
عصا الانكسار
يعد هذا النص، في تقديري، من أقوى نصوص المجموعة وأكثرها اكتمالًا فنيًا، بعد الانتهاء من قراءته شعرت أنه يحمل بذرة رواية كاملة، وليس مجرد قصة قصيرة، لما يملكه من كثافة شعرية، وعمق إنساني، وقدرة على بناء صورة ممتدة للألم.
يأخذنا الكاتب إلى شخصية أنهكها الحب، والغربة، والزمن، لكنها ما زالت تحتفظ بروح شابة، رغم زحف الشيب إلى الرأس.
ويمتلئ النص بصور شعرية لافتة، مثل: “يزهر كلامًا دون ثمر، ويطلق سحبًا ترعد لا تمطر.”، وينتهي بصورة بالغة التأثير، حين يمد البطل يده لتحية شخص بلا ملامح، فلا يستطيع الآخر أن يرد التحية لأن يده تتوكأ على “عصا المشيب والانكسار”.
إنها خاتمة تلخص رحلة الإنسان مع الخيبة والانتظار، وتؤكد قدرة محمد غدية على كتابة نصوص يتجاور فيها السرد مع الشعر دون افتعال.
فانتازيا
أختم قراءتي عند نص “فانتازيا”، الذي يقدم حكاية موجعة تنتمي إلى الواقع أكثر مما تنتمي إلى الخيال، يرسم الكاتب ملامح مغترب يعمل في إحدى الدول العربية، دون أن يفصح عن طبيعة عمله، مكتفيًا بإبراز أزمته الوجودية بين الغربة والحياة التي تركها خلفه.
تظهر الزوجة بوصفها الضحية الصامتة؛ تنازلت عن كثير من حقوقها الشخصية، لكنها تجد نفسها عاجزة عن التنازل عن استقرار بيتها وأسرتها.
ومن هنا ينجح الكاتب في طرح إحدى القضايا الاجتماعية التي عاشها ويعيشها المجتمع المصري، وهي الثمن الإنساني الذي تدفعه الأسرة مقابل الاغتراب بحثًا عن لقمة العيش.
تكشف مجموعة “محمد غدية” عن كاتب يمتلك حسًا شعريًا واضحًا، ولغة شفافة، وقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة وتحويلها إلى نصوص مشبعة بالألم والأسئلة الوجودية.
ورغم تفاوت المستوى الفني بين بعض النصوص، فإن المجموعة في مجملها تؤكد حضور صوت سردي يراهن على الإنسان، ويجعل من الحب، والغربة، والانكسار، والمرأة، محاور أساسية لعالمه الإبداعي، إنها نصوص لا تصرخ بالألم، بل تتركه يتساقط بهدوء بين السطور، ليصل إلى القارئ في أكثر صوره صدقًا وتأثيرًا.




