الناقد أحمد فرحات يكتب: ركعة لوجه الله
أسامة مهران
أعرف أنكِ كاذبة
وتلفين بعقلي
آلاف اللفات
أعرف أنكِ باسم الحرية
تسترقين السمع
وتبيعين عليَّ
معسول الكلمات
وأنكِ رغم الخطأ الشائع/في خلوتنا
وفي أعتى ليالي/تطاولكِ على الحرمات
يتندر أعداؤك/ببشاشة وجهك
ورحابة صدرك
حين تردين مآدبك إليهم
وتسدين الباب المفتوح عليهم
ورويدًا
ورويدًا
تستحلين اللعبة
وتعيدين الكرة آلاف المرات
أعرف أنكِ أذكى مراوغة في العصر
وأنكِ تعتقدين بأني أغبى
رجلٍ كان يصلي خلفك
ويؤذن في الناس المسحورة خلفك
ويردد كلماتكِ خلفك
ويقيم الصلوات.
تعد القافية ملمحا بارزا من أبرز ملامح الموسيقا الخارجية، يتصرف الشاعر في استخدامها لخدمة البنية الوزنية للقصيدة. ففي الموسيقا الداخلية تتم العناية بالمادة الصوتية من حيث الهمس والجهر، الشدة والرخاوة، المطبق والمنفتح، وبالطبع تختلف الآثار المترتبة على هذا التوصيف في حال انفرادها، أو اقترانها معا. وتتكون موسيقا الشعر من: الإيقاع العروضي العام من جانب، والإيقاع الداخلي للكلمات كوحدات لغوية، مضافا إليه ما لها من نغم. فموسيقا الشعر تصدر عما بين هذين الجانبين من تنوع وتوحد. .
هذا، وقد درج شعراؤنا على نظام البيت الشعري ثابت الطول منذ القديم؛ ولكنهم بين الفينة والأخرى كانوا يخرجون على النظام التقليدي المتبع، وعُرف هذا الخروج في جميع عصور الأدب العربي، ولكنه زاد كثيرا في العصر العباسي، ومن مظاهر هذا الخروج وُجد ما يعرف بالموشحات والمسمطات والمخمسات والمربعات، وغيرها من الأشكال الأدبية المعروفة. وأحياناً كان يلجأ الشاعر إلى القوافي المتعانقة، (حيث تتفق قافية البيت مع قافية البيت الذي بعده، أو القوافي المتقاطعة، حيث تتفق قافيته مع قافية البيت التالي لما بعده، أو القوافي المستقلة التي لا تماثل بينها على الإطلاق.
أما في الشعر الحر فقد تجرأ الشعراء على القافية، ونوعوا أشكالها، ولم يهملوها في قصائدهم، بل زاد اهتمامهم بها اهتماما يؤكد حرصهم عليها، وعلى إقامة بنية موسيقية أساسها القافية. ففي قصيدة الشاعر أسامة مهران “ركعة لوجه الله” نرى القافية الأساس (التاء) المفتوحة(اللفات –كلمات- الحرمات-المرات- الصلوات) وهي موزعة على مسافات ليست متساوية متعانقة أو متقاطعة، وليست مستقلة. في البنية الداخلية للأبيات نجد الشاعر يوظف القافية الداخلية المتفرعة عن القافية الأصل، أعداؤك- وجهك – صدرك- وترديد كلمة (خلفك) ثلاث مرات كقافية مستقلة تحدث نغما ورنينا وتوازنا بين جدران الأبيات الصلبة ذات القافية الثابتة. يأتي هذا التنوع التقفوي المتردد على مسافات قريبة مع البنية الدلالية للقصيدة، قصر القصيدة واعتمادها على تنوع تفقوي جلي يتساوق مع دلالة المخاتلة في المفردات والعبارات المراوغة، فعلى حين يشي العنوان وبعض معشبات النص الدينية الأخلاقية الناجمة عن الصلاة والأذان وهي شعائر دينية مقدسة فإنه يراوغ في(… الخطأ الشائع/في خلوتنا/وفي أعتى ليالي/تطاولكِ على الحرمات/يتندر أعداؤك/ببشاشة وجهك/ورحابة صدرك/حين تردين مآدبك إليهم/وتسدين الباب المفتوح..)
فمراوحة المعنى وتردده بين العبادة والدناءة ، بين المقدس والمدنس أتبعه تردد حائر بين القوافي المقطعية الداخلية، وكأننا أمام مراوغة داخلية وأخرى خارجية، تارة على مستوى القافية، وأخرى على مستوى البنية الدلالية، وبينهما يتأمل القارئ مساحة طويلة بين المقدس والمدنس.
وهنا لم نجد مفرا من النظر إلى القافية في مستوييها الداخلي الخارجي ونتأمل أثرها في إيقاعية النص، فالنص الشعري عند أسامة مهران قطعة فسيفساء منمقة يتأملها القارئ بشغف.
تنضيد الشعر وتنميقه غرض يسعى الشعراء إليه، وهدف يحمل في طياته ألوان التجميل والتزيين اللغوي، ومن ثم سعى الدارسون إلى دراسة الترديد،التجنيس، التدوير،التكرير، وغيرها من المحسنات اللفظية، ليضفي الشاعر على قصيدته بريقا وجمالا وتنغيما مصدره اللغة الشعرية، وقصيدة الشعر الحر ليست بمعزل عن ذلك، فقد اهتم الشاعر أسامة مهران بهذه المحسنات واستعان ببعضها، تأمل البداية غير التقليدية التي تشبه التصريع في الشعر الكلاسيكي الشكل، أعرف أنك كاذبة وتلفين بعقلي آلاف اللفات، فقد تردد حرف الكاف بطريقة تلقائية في كلمتين متجاورتين (أنكِ كاذبة) ليظهر نبرا على المقطعين معا مع جهر الحرف وضبطه من الكسر إلى الفتح في تنغيم وانسجام تامين، أما ترديد حرف الفاء أربع مرات في ثلاث كلمات متباعدة نسبيا (أعرف- تلفين- آلاف-اللفات) بما يشبه النقاط المضيئة في جملة معتمة، ليبرز الحرف عن طريق النبر في كل مرة يتردد فيها الحرف تاركا مساحة من التأمل للقارئ ليدرك بفطرته دلالة المعنى المراد بلا كثير عناء، وبأريحية في النطق والتأمل. ولنتأمل وقوع حرف الفاء بضعفه في النطق بين الكاف الأقوى منه نطقا وكلاهما صوت مهموس ظاهر غير خفي. ولعلك تلحظ مكانة حرف المد(الألف) والياء وهما حرفان يتصفان بالخفاء وعدم الظهور، لما يحملان من إطالة مغناة لتحمل لك المعنى مقربا من حقيقة دلالته في سياق التعبير عن المراوغة والمخاتلة والإغواء الأنثوي المعهود. ولعلنا نلحظ بعد تأمل أن الشاعر أجاد توظيف المطلع لغويا ودلاليا وجرى ترديده لبعض وظائف الحروف اللغوية مجرى الغرة من الوجه دون تكلف أو ادعاء.
واستنادا إلى ذلك فإن الشاعر وزع نفثته الشعرية دفعة واحدة، مستغلا مهارته وموهبته الفطرية في تقسيم النص ثلاثة أقسام متماسكة منسجمة أجمعها: قسم اختص به المطلع أو البداية، وقسم اختص به النهاية أو القفل، وبينهما بث تجرته في كبسولة شعرية تنفجر عند القارئ فور قراءتها.
القسم الثاني وهو قسم مضغوط لفظيا، مكثف دلاليا، مفجر للدلالات الأخرى عند المتلقي. فعندما يشعر المرء بخيبة الأمل فيمن أحب وأخلص له، وأنها تتجاوب مع الآخرين وتخدع المحب الصادق، وهو يعلم ويدرك الخداع والمراوغة، وأنها لا تتوانى في فتح كل نافذة تطل من خلالها على المتهافتين، أدعياء الحب، وقليلي الوفاء، وهو يذوب فيها عشقا ومحبة، عندئذ يكتشف اللعبة لكنه أحيانا يتغابى، فليس الغبي بسيد قومه، لكن سيد قومه المتغابي، في إشارة إلى بيت أبي تمام، حيث يتناص مع البيت بذكر الغباء والتغابي والمروغة.
هذه الكبسولة الشعرية المضغوطة كان لا بد أن تختم وتنتهي نهاية صادمة، على غرار السرد القصصي القصير، الذي يفاجئ المتلقي ويصدمه، ويدهشه بكشف الزيف والخداع، معبرا عن مجرد الكشف، وأنها في الماضي البعيد كان يقفو أثرها ويتتبع خطاها ولا يألوها حبا.
اعتاد شعراء الجيل الماضي من الرومانتيكيين أن يظهروا ضعفهم وهوانهم أمام غدر محبوباتهم، اتباعا لتقليد قديم لدى شعراء الغزل العذريين، فهذا ناجي يقول:
كم تقلبت على خنجره لا الهوى مال ولا الجفن غفا
وإذا القلب على غفرانه كلما غار به النصل عفا
لكن الشاعر في هذه السطور الشعرية يكشف زيفها ومراوغتها دون أن يستمر في محبته، ولم يرق دماءه على عتبات قلبها، بل اكتفى بأنه كان غبيا، عندما تعلق بها، وهي متاحة لكل العابرين دون حياء. من ثم فقد لعب التناص العكسي دورا مهما في ختام القصيدة وبلوغها مرحلة الاكتمال.




