الناقد أحمد فرحات يكتب: عربة اسمها الرغبة

تُعد مسرحية «عربة اسمها الرغبة» للكاتب تينيسي وليامز من أهم مسرحيات القرن العشرين.

تدور أحداث المسرحية في مدينة أمريكيةبعد الحرب العالمية الثانية، حيث تصل بلانش، وهي معلمة سابقة تنتمي إلى أسرة أرستقراطية فقدت مكانتها وثروتها، إلى منزل أختها ستيلا وزوجها ستانلي بعد أن خسرت منزل العائلة وعملها.

تحاول بلانش أن تخفي ماضيها المضطرب، فتتظاهر بالرقي والتهذيب، وتعيش في عالم من الأوهام والذكريات هربًا من ماضيها المؤلم، بينما يمثل ستانلي شخصية واقعية، خشنة، وعنيفة، يشك في روايتها ويبدأ في البحث عن ماضيها حتى يكتشف فضائحها وعلاقاتها السابقة.

في أثناء إقامتها، تنشأ علاقة عاطفية بينها وبين شاب اسمه متش، أحد أصدقاء ستانلي، وتأمل أن تبدأ معه حياة جديدة. لكن زوج أختها يكشف له حقيقة ماضيها، فينهي علاقته بها.

يتصاعد الصراع بين بلانش وستانلي إلى أن يستغل وجود أختها ستيلا في المستشفى لوضع مولودها، ويعتدي على بلانش اعتداءً جنسيًا، فتنهار نفسيًا تمامًا. وعندما تعود ستيلا، تجد نفسها ممزقة بين تصديق أختها أو الحفاظ على أسرتها، فتختار البقاء مع زوجها.

تنتهي المسرحية بإرسال بلانش إلى مصحة للأمراض النفسية، بينما تقول عبارتها الشهيرة:

لقد اعتمدت دائمًا على لطف الغرباء

تعالج المسرحية الصراع بين الوهم والواقع، وانهيار القيم الأرستقراطية القديمة أمام المجتمع الجديد، كما تناقش قضايا السلطة الذكورية، والعنف، والهشاشة النفسية، ورغبة الإنسان في الاحتماء بالأحلام عندما يصبح الواقع قاسيًا.

لقد حاولت بلانش أن تعيش حياة جديدة بعد زواجها من شاب وسيم من أهل المدينة لكنه مات مقتولا ، فصارت بنتا من بنات الهوى تنتقل من فراش إلى فراش، وكانت تغشى فندقا سيء السمعة، بيتها مثابة يؤمها الجنود في روحاتهم وغدواتهم وقد اشتغلت مدرسة ثانوية فأغرت طالبا في المدرسة فاحتج أبوه على ذلك، وطردوها من المدرسة والبلد معا. وبعد كل علاقة تزمع أن تبدأ حياة جديدة. فلا يوجد شيء اسمه حياة جديدة؛ نحن نعيش يوميا الماضي،نعيشه في كل ساعة، نعيشه مع كل شهيق وزفير . لا يوجد شيء اسمه الحاضر أو المستقبل، أنت كل صباح تعيش الماضي مجددا، لافكاك منه ولا خلاص من قبضته الحديدية التي تعصر عنق الحياة في كل ثانية،وحتى لو هربت إلى ألف مدينة، الماضي خلفك,,يطاردك.. ولا يلهث ولا يتعب من مطاردتك بينما عمرك يلهث بحثا عن الحياة الجديدة التي تحلم بها. أنت أمام يقين لا يشوبه شك، كلما هربنا من الماضي أكثر اقتربنا من مستشفى الأمراض العقلية أكثر ,

لكن المسرحية تعرضت منذ صدورها عام 1947 لعدد من الانتقادات الأدبية والأخلاقية، من أبرزها:

رأى بعض النقاد أن المسرحية تقدم رؤية قاتمة للحياة، حيث تنتهي بانهيار بلانش وانتصار القوة والعنف ممثلين في شخصية ستانلي ، دون تقديم أفق للخلاص.

كما وُجه إليها نقد بسبب كثرة الإيحاءات الجنسية، حتى اتهمها بعض النقاد بأنها تستثمر الصدمة والإثارة أكثر من اهتمامها بالقيم الأخلاقية أو الاجتماعية.

هذا وقد اعتبر بعضهم أن المسرحية ركزت على الأزمة النفسية لبلانش أكثر من تحليل الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في مأساتها، بينما رأى آخرون أنها في جوهرها دراسة نفسية لا اجتماعية.

انتقدت بعض الدراسات النسوية تصوير بلانش كامرأة منهارة تعتمد على الوهم، في مقابل إظهار الرجل القوي العنيف بوصفه المنتصر في النهاية، مما عُدَّ تكريسًا للهيمنة الذكورية.

رأى بعض النقاد أن أحداث المسرحية تعتمد أحيانًا على الانفعال العاطفي والمواقف الصادمة أكثر من اعتمادها على التطور المنطقي للأحداث.

ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات لم تمنع المسرحية من أن تُعد واحدة من أعظم المسرحيات ، لما تتميز به من عمق في رسم الشخصيات، وقوة الحوار، وقدرتها على تصوير الصراع بين الوهم والواقع والانهيار النفسي.

وفي حوار الأختين تكشف بلانش عن حقيقتها السافرة فتهذي بكلمات:

لم أكن ذات إرادة ولم يكن عندي من المال ما يكفيني، فعندما يكون للنساء نعومة يتحتم على الناعمات دائما أن يخطبن ود أصحاب الإرادة الصلبة. كنت أميل إلى الإغراء والتضليل، وأختار لنفسي الألوان الناعمة ! ألوان أجنحة الفراشة ووهجها حتى أحيط نفسي بنوع من الجاذبية والسحر المؤقت لأتمكن من سداد قيمة مأوى ليلة! لهذا لم أكن طيبة كما يجب في الفترة الأخيرة.

إن الناس لا يريدونك الرجال بالذات لا يعترفون حتى بمجرد وجودك ما لم يطاروحك الغرام. لهذا يتحتم على الناعمات أن ينافقن وأن يتوهجن.

إني خائفة الآن. خائفة جدا . لست أدري إلى متىسأتمكن من المضي في هذه الخدعة، فلم يعد يكفيني أن أكون ناعمة بل عليّ أن أكون جذابة أيضا، ولكني الآن في طريقي إلى الذبول!

وتمضي عربة الرغبة في طريقها أو قل تمضي بنا بلانش إلى مشهد مخزِ:

أقبل غلام يطرق باب البيت ليجمع بعض تبرعات ولكنها تكون قد ثملت فتتحبب إلى الفتى وتتودد إليه، ويبلغ بها التودد حدا خطرا يغريه لولا أنها تصرفه إلى حال سبيله وهي تقول بعد أن تقبله: انصرف الآن ! كان يسرني أن أبقى طيبة نقية، وأن أرفع يدي عن الأطفال أمثالك، مع السلامة.

وتنتهي نهاية مأساوية يلخصها الحوار الآتي بين بلانش وخطيبها ميتش:

بلانش: ماذا تريد؟

متش: (يحاول أن يضمها بين ذراعيه) ما كنت أتوق إليه طوال الصيف

: إذن تزوجني يا متش!

: لا أظن أنني أرغب في الزواج منك بعد الآن

: لا تريد ذلك! لماذا؟

: (وقد أرخى يديه من حول وسطها) لأنك لست من النظافة بحيث أستطيع أن آخذك إلى بيتي لتعيشي مع أمي.

لا يقدم المؤلف بلانش كشخصية شريرة أو فاسدة، بل كامرأة تحاول النجاة من صدمات متراكمة باستخدام وسائل غير ناجحة. لذلك يختلف النقاد في تقييمها:

بعضهم يراها مسؤولة عن كثير من قراراتها.

وآخرون يرونها ضحية لمجتمع قاسٍ يحاكم المرأة بقسوة أكبر من الرجل، ولصدمات نفسية لم تتمكن من تجاوزها.

لهذا، فإن ماضي بلانش ليس مجرد “ماضٍ قذر”، بل هو مزيج من الخسارة والذنب والرغبة في الهروب والبحث عن الحب والانتماء، وهو ما يجعلها شخصية مأساوية أكثر من كونها شخصية تُختزل في حكم أخلاقي واحد.

وأنت عزيزي القارئ كيف ترى شخصية بلانش؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى