الناقد أحمد فرحات يكتب: صراع النقاد واللغويين

دأب العرب منذ القديم على وجود صراع طريف بين النقاد العالمين ببواطن الشعر والشعراء الذين استجابوا لحركة تطور الشعر وحتمية التعامل مع الواقع الجديد والمعارف العصرية التي صارت أكثر تعقيدا وعمقا من جهة، واللغويين المحافظين لقواعد اللغة في متنها المقدس، حفاظا على نقاء اللغة والحفاظ عليها من الضياع عن طريق جمع الشعر وتدوينه من جهة أخرى.

ظهر الصراع على أشده ، حيث رأى النقاد أن حركة اللغويين تمثل ضغطا عليهم، وعلى الشعر العربي برمته. لوجود حلقة مفقودة بينهما تتمثل في حرص اللغويين على توجيه الشعراء بضرورة الحفاظ على اللغة من عبث الشعراء، مما اضطر الشعراء والنقاد إلى مهاجمة النحاة واللغويين واتهامهم بعدم القدرة على فهم الشعر وتبين أسرار لغته.

ولعل من أهم ما وجهه الشعراء والنقاد إلى علماء اللغة اتهامهم بعدم الفهم يقول عمار الكلبي:
ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا ما تعرفون، وما لم تعرفوا فدعوا
وقد أجمل القول في ذلك د. عبد الحكيم راضي في نظرية اللغة فحدد الفئات التي من حقها تناول الشعر وتقليب أوجهه والنظر فيه بعين المتأمل الحصيف.

فئة الشعراء أنفسهم كابن الرومي وبشار والمتنبي، وفئة النقاد المتخصصين كابن قتيبة وابن سلام والقرطاجني .
وأوضح سمات هذه الفئة من النقاد إنما تتحدد بطريق التقابل مع أصحاب النحو واللغة ، وهو تقابل يكشف عن اهتمام اللغويين بالدرس الخارجي النمطي الدائر حول اللغة والنحو والغريب والأخبار، بينما يكشف عن فريق النقاد بتناول البعد الفني في الشعر، هذا الذي يحتاج إلى ثقافة واستعداد على مستوى آخر.

يروى: رأيت البحتري يوما ومعي دفتر. فقال ما هذا؟ قال هو شعر لليشكري أذهب به لأبي العباس ثعلب وهو لغوي . قال إن أبا عباسكم هذا ليس ناقدا للشعر ولا مميزا لألفاظه . ورأيته يستحسن شيئا وينشده وما ذلك بأحسن الشعر وأفضله. أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى ولكن هو أعرف الناس بإعراب الشعر وغريبه.

امتد هذا الصراع إلى اليوم، وأنشأت الجامعات العربية والمصرية منها أقساما خاصة بالدراسات اللغوية مستقلة عن الدراسات الأدبية والنقدية، ولما فرغ اللغويون من دراساتهم وهي ليست كثيرة بطبيعة الحال، فاتجهوا إلى الدراسات الأدبية والنقدية. وهناك آلآف الرسائل وعناوين الكتب اللغوية التي جنحت إلى الأدب ونقده تحاول جاهدة التقرب إلى الأدب ونقده من باب إيجاد مكان يزاحمون منه النقاد.

وما عليك إلا أن تطالع عناوين كهذه(شعر فلان دراسة نحوية) أو اختيار ظاهرة لغوية ثم تطبيقها على شعر فلان، وهذا من باب انتهاء مهمة اللغوي في الواقع النقدي. فلم يعد البحث عن الشواهد النحوية غاية تدرك الآن.
وهنا ينبغي أن نقرر منذ البدء أن الممارسة النقدية هي ممارسة لغوية في المقام الأول، وأن الأدب عموما لا يمكن أن يكون إلا توسيعا لبعض خصائص اللغة..وأن حقلا أكاديميا بكامله هو الأسلوبية تم إيجاده على الحدود المشتركة للدراسات الأدبية وعلم اللغة؛ فالأدب ليس إلا امتدادا لبعض خصائص اللغة.

ومن ثم فقد نشأت علاقة وطيدة بين الدراسات الأدبية والنقدية باللغة.
وقد تراءى لنا أن الخصوصية اللغوية التي تستدعيها النصوص الشعرية تعنى باستثمار الطاقات اللغوية الكامنة فيها. فالفنون القولية (مسموعة أو مكتوبة) تنطلق من اللغة، وتنتهي بأفكار لا متناهية الدلالة لدى المتلقي.

ومن الصعب أن تنحسر المادة النقدية على الجانب اللغوي المعياري، بل لا بد أن تتجاوز الجامد منها، وتنطلق إلى آفاق جمالية تتسم بقدرتها على النفاذ إلى عوالم الخيال والمجاز وتصور الأشياء بطبيعة غير طبيعتها المادية الصلبة. وقد بدا لنا تصور خطير يتمثل في انشغال المهتمين بالحقول اللغوية الجافة للولوج إلى النص الأدبي شعرا ونثرا، وبدت تطغى المادة اللغوية الجامدة على الجمالي بشكل لافت، أو تحويل مسار الدراسة الجمالية إلى دراسة محدودة تنحصر في الالتفاف حول الجمالي، والمجازي، والخيالي بأدوات محدودة جدا، إذ عالم النص الشعري أو الروائي أو القصصي أو المسرحي يتجاوز اللغة المعيارية للنفاذ إلى اللغة السحرية الخيالية التي لا يتحكم فيها اعتدال المنطق اللغوي المعروف لدى علماء اللغة.

ومن هنا فقد غدت الدراسات النقدية القائمة على الجانب اللغوي فحسب دراسات عقيمة، حيث تغولت فيها عناصر غير جمالية طغت على سطح الرقعة النقدية فأصابتها بالجفاف والنضوب.
وربما يعزو ذلك إلى أن بعض الأساتذة المختصين بالنحو العربي يتركون مجالهم وهجره والارتماء في أحضان النقد الأدبي للنصوص الشعرية والروائية محللين وشارحين ومدللين على إمكانية التناول بأدواتهم التي لم تعد صالحة وحدها لسبر النص وكشف أسراره، ومن ثم توجيه طلاب الدراسات العليا في قسمي النحو وعلم اللغة إلى تناول المجال النقدي الذي حرموا أنفسهم منه بفعل التكالب وراء الكرسي والمنصب الذي عين فيه.
إننا نؤمن إيمانا صادقا بالطاقات الجمالية للغة الشعرية، وليست اللغة المعيارية، فاللغة الشعرية قادرة على فك أسرار النص الشعري من المجازات والإيحاءات الثرية التي يتشكل النص منها كالحالة النفسية، والسياق العام الذي نشأ فيه ذلك النص الذي أدى إلى التمرد على الشق النحوي الجاف.

واستنادا إلى ما سبق فإنما يحكم في الشعر النقاد لا المؤدِّبة أي معلمي اللغة والنحو. يقول الجاحظ طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب: كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات.

ورواية الجاحظ تؤكد أن صناعة الأدب من اختصاص النقاد وليس عند غيرهم. فكثير من المنصات النقدية الآن تمنح تخصصات كالتاريخ والفلسفة وعلم اللغة مكانة الناقد العارف بالأسرار، وهذا خلل كبير يتكرر منذ الأمس إلى اليوم لكن علماء الأمس فطنوا إلى ذلك ونبهوا إليه. أما اليوم فالأمر صار غريبا فوضويا!

بإيجاز عالم اللغة يمنحك صحة البناء وسلامة العبارة، أما الناقد فهو من يمنحك روح النص وأسرار إبداعه، وتحويل اللغوي إلى ناقد بغير ذائقة أو بصيرة هو تشويه لصناعة الأدب وتسطيح لجمالياته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى