سهير المرشدي.. امرأة بألف وجه وذاكرة لا تغيب عن الفن المصري

في يوم ميلاد سهير المرشدي، لا تبدو الحكاية مجرد ذكرى لفنانة وُلدت في مثل هذا اليوم، بقدر ما هي عودة إلى زمن كانت فيه الممثلة تستطيع أن تجعل من النظرة حوارًا، ومن الصمت مشهدًا، ومن الشخصية التي تؤديها كائنًا يخرج من الشاشة ثم يستقر طويلًا في ذاكرة المشاهد.
وُلدت سهير المرشدي في 21 سبتمبر 1946 بقرية خرسيت التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية، قبل أن تنتقل أسرتها إلى القاهرة وتستقر في الحلمية الجديدة. وهناك بدأت الحكاية من المسرح المدرسي، حين لفتت الأنظار في مسرحية «الأميرة العمياء»، وحصلت على شهادة تقدير، لتكتشف مبكرًا أن الخشبة ليست هواية عابرة، وإنما الطريق الذي ستمنحه عمرها.
سهير المرشدي.. موهبة قاومت الرفض
لم يكن دخولها عالم الفن سهلًا؛ فقد أراد والدها أن تلتحق بكلية الطب، بينما كانت هي ترى مستقبلها فوق خشبة المسرح. وبإصرارها ومساندة عمها، حصلت على موافقة الأسرة، ثم التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرجت عام 1966 في قسم التمثيل والإخراج بتقدير امتياز وكانت الأولى على دفعتها.
.ومنذ البدايات، امتلكت المرشدي ما يصعب تعليمه: حضورًا لا يحتاج إلى افتعال. ولهذا وصفها النقاد بأنها «المرأة ذات الألف وجه»، بعدما استطاعت الانتقال بين الفتاة والزوجة والأم والفلاحة والصعيدية والمرأة الأرستقراطية والشخصيات التاريخية والدينية، بالعامية والفصحى، وبالقدر نفسه من الإقناع.
المسرح.. بيت سهير المرشدي الأول
ظل المسرح عشقها الأهم، ومنه صنعت جانبًا كبيرًا من هويتها الفنية. وقدمت خلال مسيرتها نحو 35 مسرحية، من بينها «يا طالع الشجرة»، «سهرة مع تشيكوف»، «بستان الكرز»، «رحلة خارج السور»، «وراء الأفق»، «الأرملة الشابة»، «في سبيل الحرية»، «ليالي الحصاد»، «جواز على ورقة طلاق»، «معروف الإسكافي»، «الحب في حارتنا»، «زقاق المدق»، «النسر الأحمر»، «روضة الفرج»، «إيزيس»، «دنيا المولد»، «سوناتا الحب والموت»، «يوم من هذا الزمان»، و«رقصة سالومي الأخيرة».
وفي المسرح تحديدًا، لم تحبس نفسها داخل لون واحد؛ فقدمت التراجيديا والكوميديا، والشخصيات المحلية والعالمية، حتى أصبحت الخشبة بالنسبة إليها مساحة لاختبار الإنسان بكل تناقضاته.
السينما.. أدوار قليلة لا تُنسى
دخلت سهير المرشدي السينما منذ ستينيات القرن الماضي، وشاركت في نحو 40 فيلمًا بحسب توثيق الهيئة العامة لقصور الثقافة. ومن أبرز أعمالها: «صبيان وبنات»، «القاهرة 30»، «الخروج من الجنة»، «الزوجة الثانية»، «جريمة في الحي الهادي»، «السيد البلطي»، «البوسطجي»، «جزيرة العشاق»، «الناس اللي جوه»، «حكاية بنت اسمها مرمر»، «يا رب توبة»، «عودة الابن الضال»، «وعادت الحياة»، «حكمتك يا رب»، «التلاقي»، «المغنواتي»، «مطاوع وبهية»، «كدابين الزفة»، «احتيال»، «رغبة متوحشة»، «لحظة خطر»، و«العشق والدم».
وفي «البوسطجي» قدمت شخصية «الغازية»، بينما ارتبط اسمها بشخصيات أخرى تركت أثرًا خاصًا مثل فاطمة في «عودة الابن الضال»، ونعيمة المحامية في «حكمتك يا رب»، وسميحة الغندور في «رغبة متوحشة».
التلفزيون.. وجوه من ذاكرة المصريين
على الشاشة الصغيرة اتسعت المساحة أكثر، وشاركت في أكثر من 100 مسلسل وسهرة تلفزيونية وفق توثيق الهيئة العامة لقصور الثقافة. ومن أشهر أعمالها «ألف ليلة وليلة»، «خولة بنت الأزور»، «الوعد الحق»، «جواري بلا قيود»، «الذئب الأزرق»، «ليالي الحلمية» بأجزائها الأول والثاني والخامس، «بوابة الحلواني»، «بيت العيلة»، «أرابيسك»، «قصة مدينة»، «حكاية بلا بداية ولا نهاية»، «عطشان يا صبايا»، «محاكمة الليالي»، «لا أحد ينام في الإسكندرية»، «موعد مع الوحوش»، «النار والطين»، «أريد رجلًا»، و«طايع».
ومن بين الشخصيات التي لا تزال حاضرة في الذاكرة: سماسم العادلي في «ليالي الحلمية»، عدولة في «أرابيسك»، ساكنة في «بوابة الحلواني»، هند بنت عتبة في «الوعد الحق»، ويامنة في «أريد رجلًا».
سهير المرشدي وكرم مطاوع.. حكاية فنية امتدت إلى حنان مطاوع
تزوجت سهير المرشدي من الفنان والمخرج المسرحي كرم مطاوع، وأنجبا ابنتهما الفنانة حنان مطاوع، التي اختارت بدورها طريق التمثيل. وهكذا لم تكن الموهبة مجرد إرث عائلي، وإنما امتدادًا لذاكرة فنية ارتبطت بالمسرح والثقافة والتمثيل.
جوائز وتكريمات ومسيرة لا تنطفئ
حصلت سهير المرشدي على جوائز وتكريمات عديدة، من بينها وسام الفنون والآداب من مهرجان قرطاج المسرحي الدولي، وتكريم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ومهرجان شرم الشيخ الدولي لمسرح الشباب، كما تولت الرئاسة الشرفية لعدد من المهرجانات، وانتُخبت رئيسة لمجلس إدارة جمعية أنصار التمثيل والسينما. (gocp.gov.eg)
لكن القيمة الحقيقية في رحلة سهير المرشدي لا تختصرها جائزة ولا لقب. إنها فنانة جعلت التمثيل فعلًا من أفعال الصدق؛ تدخل الشخصية فلا تراها من الخارج، وإنما تسكنها حتى ينسى المشاهد أنه أمام ممثلة.
في عيد ميلاد سهير المرشدي، تبقى الخلاصة الأجمل أن بعض الفنانين لا يحتاجون إلى الحضور الدائم كي يظلوا حاضرين؛ يكفي أن تمر شخصية من شخصياتهم على الشاشة، فتعود معها سنوات كاملة من الذاكرة.




