فى ذكرى رحيله.. فؤاد المهندس: أسطورة صنعتها البساطة

تحل اليوم الذكر العشرين لرحيل نجم الكوميديا فؤاد المهندس حيث رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم ١٦ سبتمبر، ففي السادس عشر من سبتمبر عام 2006، أُسدل الستار على حياة واحد من أهم صناع البهجة في تاريخ الفن المصري، الفنان فؤاد المهندس، لكن الستار لم يُسدل على «الأستاذ» كما كان يحب جمهوره أن يناديه؛ فقد بقي صوته، وإفيهاته، وشخصياته، ومسرحه، وأغنياته، وبرامجه، حاضرًا في ذاكرة أجيال كاملة.
وبعد عشرين عامًا على رحيله، لا يزال فؤاد المهندس واحدًا من الفنانين الذين لا تحتاج أعمالهم إلى مناسبة كي تعود إلى الشاشة؛ يكفي أن يبدأ مشهد من «سيدتي الجميلة» أو «سك على بناتك» أو «أرض النفاق» حتى يستعيد المشاهد إحساسًا قديمًا بالضحك المختلف، ذلك الضحك الذي لم يكن منفصلًا عن المجتمع وقضاياه.
من بيت زكي المهندس بدأت الحكاية
وُلد فؤاد زكي المهندس في 6 سبتمبر 1924 بحي العباسية في القاهرة، وكان الابن الثالث في أسرته بعد شقيقتيه صفية ودرية، ثم شقيقه الأصغر سامي. وكان والده العالم اللغوي الدكتور زكي المهندس، عميد كلية دار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية، ولذلك نشأ الطفل داخل بيت شديد الصلة باللغة والكتب والثقافة.
لم يكن تأثير الأب على ابنه مجرد تأثير تربوي، وإنما امتد إلى تكوين شخصيته الفنية نفسها؛ فقد أتقن فؤاد العربية، واكتسب من والده سرعة البديهة وخفة الظل وحضورها، وهي صفات ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من شخصيته على المسرح والشاشة.
لكن المفارقة أن الطريق إلى الفن لم يكن سهلًا في البداية، فوالده كان يريد له أن ينهي دراسته أولًا، بينما كان فؤاد يجد نفسه مشدودًا إلى المسرح، حتى كشف في حوار سابق أنه كان يتسلل ليلًا من المنزل سيرًا على الأقدام ليجلس في كواليس مسرح الريحاني، وهو المكان الذي ساهم في تشكيل وعيه المبكر بفن التمثيل والكوميديا.
ومن المفارقات الطريفة أن والدته كانت تحاول إبعاده عن التمثيل، بل كانت تعترض على حركاته الكوميدية في البيت، لكنه في النهاية أصبح واحدًا من أشهر من صنعوا الكوميديا المصرية.
نجيب الريحاني وعبدالمنعم مدبولي.. مدرستان في حياة الأستاذ
درس فؤاد المهندس في كلية التجارة، وانضم إلى فريق التمثيل الجامعي، وهناك بدأ الاقتراب الحقيقي من عالم المسرح.
وكان نجيب الريحاني أحد أهم مصادر إلهامه؛ فقد شاهد مسرحيته «الدنيا على كف عفريت»، وانبهر بأدائه، وحاول الاقتراب من فرقته. وبعد رحيل الريحاني اتجه إلى تجربة «ساعة لقلبك»، ومنها بدأت خطواته الفعلية في عالم التمثيل. (السينما)
لكن المدرسة الأخرى التي تركت أثرًا عميقًا في تجربته كانت مدرسة عبدالمنعم مدبولي، الذي لم يكن مجرد زميل أو مخرج، وإنما كان أحد الذين ساعدوا في تشكيل فؤاد المهندس فنيًا.
ومع الوقت أصبح المهندس نفسه صاحب مدرسة خاصة؛ مدرسة تقوم على احترام النص والجمهور، وعلى تقديم الكوميديا باعتبارها فنًا له قيمة، لا مجرد مجموعة من الإفيهات.
وفي إحدى الشهادات المنشورة عنه، أُشير إلى أنه كان يرى أن احترام الجمهور يبدأ من احترام الفنان لعقلية هذا الجمهور.
«ساعة لقلبك».. البداية التي صنعت نجومية مختلفة
لم يكن المسرح وحده هو الطريق الذي صنع نجومية فؤاد المهندس؛ فقد كان للإذاعة دور بالغ الأهمية في تكوينه وانتشاره.
ومن «ساعة لقلبك» إلى «كلمتين وبس»، استطاع أن يحول صوته إلى شخصية يعرفها المصريون حتى لو لم يروه على الشاشة.
وقدم «كلمتين وبس» لسنوات طويلة، وكان البرنامج يتناول قضايا وسلوكيات اجتماعية بالنقد والسخرية، وهو ما جعل الكوميديا عند المهندس مرتبطة دائمًا بملاحظة تفاصيل الحياة اليومية. كما ارتبط اسمه لاحقًا بفوازير «عمو فؤاد» التي أصبحت واحدة من أشهر علامات رمضان بالنسبة لأجيال من الأطفال.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات تجربته: لم يكن فؤاد المهندس فنان شاشة فقط، بل كان حاضرًا في المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون والبرامج وأعمال الأطفال.
عفت سرور.. الحب الأول وزوجته الأولى
خلف صورة «الأستاذ» الذي يضحك الملايين، كانت هناك حياة شخصية أكثر هدوءًا وتعقيدًا.
خلال المرحلة الجامعية أحب فؤاد المهندس عفت سرور نجيب، من عائلة السرجاني، وتزوجها عام 1951، وأنجب منها ابنيه أحمد ومحمد.
وكشف نجله محمد فؤاد المهندس في حوار مع «المصري اليوم» تفاصيل من هذه العلاقة، وقال إن والده أحب والدته بشدة، وإنها كانت تشبه إلى حد ما كوكب الشرق أم كلثوم التي كان فؤاد المهندس شديد الإعجاب بها.
لكن الزواج انتهى بالانفصال، لتبدأ في حياة المهندس مرحلة أخرى ستصبح واحدة من أشهر قصص الحب والزواج في تاريخ الفن المصري.
شويكار.. عندما خرج الحب من النص إلى الحياة
كانت البداية على خشبة المسرح حيث التقى فؤاد المهندس بشويكار أثناء العمل المسرحي، وفي البداية لم يكن الأمر أكثر من علاقة عمل بين فنانين، لكنه اعترف في حوار نادر بأن العلاقة بدأت تتطور تدريجيًا، وأنه كان ينتظر حضورها إلى البروفات، ثم جاءت اللحظة التي تحولت فيها الكوميديا إلى حقيقة.
أثناء عرض مسرحية «أنا وهو وهي»، خرج المهندس عن النص وطلب من شويكار الزواج أمام الجمهور، فتحولت الجملة المسرحية إلى بداية قصة زواج استمرت نحو عشرين عامًا.
وكان زواجهما في نوفمبر 1963، ليشكلا بعد ذلك واحدًا من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ المسرح والسينما المصرية.
قدما معًا أعمالًا بقيت في الذاكرة، منها: «سيدتي الجميلة» و«حواء الساعة 12» و«أنا وهو وهي» و«إنها حقًا عائلة محترمة»، إلى جانب عدد من الأفلام.
لكن اللافت أن قصة فؤاد وشويكار لم تنتهِ تمامًا بالطلاق، فحتى بعد الانفصال ظل بينهما قدر كبير من المودة والاحترام، وفق شهادات منشورة من أفراد أسرتهما، وظلت العلاقة الإنسانية موجودة رغم انتهاء الزواج.
كيف أخبر زوجته الأولى بزواجه من شويكار؟
من أكثر التفاصيل الشخصية التي كشفها فؤاد المهندس بنفسه، حديثه عن اللحظة التي أخبر فيها زوجته الأولى بزواجه من شويكار.
قال إن رد فعلها كان الصمت، وإنه شعر بأنها تبكي، لكنه لم يرغب في الاسترسال في تفاصيل الحكاية، خصوصًا مع ما كان يُقال عن تأثر صحتها بالأمر.
ورغم الانفصال والزواج الثاني، أكد المهندس أنه ظل يرعاها حتى وفاتها، ووصفها بأنها «سيدة عظيمة وطيبة جدًا»، وأن العلاقة بينهما بقيت ودودة حتى آخر أيام حياتها.
وهذه واحدة من التفاصيل التي تكشف جانبًا مختلفًا من شخصية الفنان الذي ارتبط في أذهان الناس بالكوميديا، بينما كانت حياته الخاصة تحمل قدرًا كبيرًا من المسؤولية والوفاء للعلاقات القديمة.
لم ينجب من شويكار.. لكنهما ربّيا أبناءهما معًا
بحسب شهادة نجله محمد فؤاد المهندس، اتفق فؤاد وشويكار على عدم الإنجاب، واهتما برعاية أبنائهما الثلاثة، ومن بينهم ابنا فؤاد من زواجه الأول وابنة شويكار «منة».
وهكذا تحولت الأسرة الجديدة إلى مساحة مشتركة، رغم أن الزواج نفسه انتهى لاحقًا.
«الأستاذ» في البيت.. أب مختلف عن صورة النجم
ربما تكون شهادة ابنه محمد من أكثر الشهادات التي تكشف فؤاد المهندس بعيدًا عن الكاميرا.
ففي حديثه لـ«إندبندنت عربية»، وصف محمد والده بأنه كان شديد التواضع رغم نجوميته، وأنه حرص على ألا يتسلل الغرور إلى أبنائه.
ومن التفاصيل اللافتة أن فؤاد المهندس كان يجلس أحيانًا على كرسي بسيط بجوار حراس العقارات والعاملين في المنطقة، ويتبادل معهم الحديث حول مشكلاتهم، خصوصًا بعد عودته من صلاة الجمعة.
وهنا تبدو صورة «الأستاذ» مختلفة عن الصورة التقليدية للنجم الكبير؛ فالرجل الذي كان يملأ المسرح ضحكًا كان، بحسب شهادة نجله، حريصًا على الاحتفاظ بحياته اليومية البسيطة بعيدًا عن مظاهر النجومية.
عادل إمام.. الفنان الذي رأى فيه المهندس شيئًا مبكرًا
من أهم الأسماء التي ارتبطت بتجربة فؤاد المهندس عادل إمام، وتشير مصادر صحفية إلى أن المهندس كان من الذين منحوا عادل إمام فرصة مهمة في بداياته المسرحية، وهو ما ساعد الأخير على الانطلاق في مشواره.
وهذه ليست مجرد علاقة بين نجم كبير وفنان شاب؛ بل جزء من إرث فؤاد المهندس كفنان لم يكن يكتفي بتقديم نفسه، وإنما كان يترك مساحة لمن حوله كي يظهروا أيضًا.
«أرض النفاق».. الكوميديا عندما تصبح مرآة للمجتمع
في السينما قدم فؤاد المهندس عشرات الأفلام، وتنوعت أدواره بين الكوميديا الاجتماعية والكوميديا القائمة على المفارقة والشخصية.
ومن أبرز أعماله «أرض النفاق» و«أخطر رجل في العالم» و«شنبو في المصيدة» و«العتبة جزاز» و«عائلة زيزي» و«اعترافات زوج» و«هارب من الزواج» و«فيفا زلاطا» و«خلي بالك من جيرانك» و«البيه البواب» وغيرها.
لكن «أرض النفاق» تحديدًا تظل واحدة من العلامات المهمة في مشواره؛ لأنها لم تعتمد فقط على إضحاك الجمهور، وإنما وضعت الإنسان أمام فكرة اجتماعية وفلسفية: ماذا يحدث لو استطاع الإنسان أن يتخلص من عيوبه أو يغير شخصيته بوسيلة خارقة؟
وهنا يظهر الفرق بين كوميديا تنتهي بانتهاء المشهد، وكوميديا تترك سؤالًا بعد الضحكة.
«سك على بناتك».. أب يضحكنا على مشاكل البيت
وعلى خشبة المسرح جاءت أعمال مثل «سك على بناتك» و«سيدتي الجميلة» و«السكرتير الفني» و«أنا وهو وهي» و«حواء الساعة 12» و«إنها حقًا عائلة محترمة» و«هالة حبيبتي» لتضعه في مكانة خاصة داخل تاريخ المسرح المصري.
في «سك على بناتك» تحديدًا، تحولت مشكلات الأسرة والزواج واختيارات الأب لبناته إلى مادة كوميدية لا تزال قريبة من الجمهور بعد عقود من عرضها.
وهذه إحدى نقاط قوة المهندس: كان يأخذ الموضوع اليومي البسيط، ثم يرفعه على خشبة المسرح حتى يصبح مرآة للمجتمع.

«عمو فؤاد».. الفنان الذي دخل بيوت الأطفال
ربما لم يكن فؤاد المهندس يتوقع أن شخصية «عمو فؤاد» ستصبح واحدة من أكثر الشخصيات التصاقًا بذاكرة الطفولة المصرية.
قدم فوازير «عمو فؤاد» في رمضان لنحو عشر سنوات، وصنع من نفسه شخصية قريبة من الأطفال، لا تخيفهم ولا تتعامل معهم باستعلاء، وإنما تخاطبهم بالضحك والمعلومة والأغنية.
وبذلك أصبح جمهوره يمتد من الطفل الذي ينتظر «عمو فؤاد» في رمضان، إلى الأب الذي يضحك من «سك على بناتك»، إلى المشاهد الذي يجد في «أرض النفاق» أسئلة أكبر من الكوميديا.
أكثر من 160 عملًا.. لكن القيمة ليست في العدد
تذكر «إندبندنت عربية» أن رصيد فؤاد المهندس تجاوز 160 عملًا فنيًا بين المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن أفلامه وحدها تجاوزت 70 فيلمًا. (اندبندنت عربية)
لكن الأرقام وحدها لا تفسر بقاء اسمه، فالمسألة لم تكن في كثرة الأعمال، وإنما في قدرة الفنان على أن يجعل الشخصية التي يؤديها تبدو وكأنها خرجت من الشارع المصري نفسه؛ الأب، والزوج، والموظف، والرجل الطيب، والمأزوم، والمحتال، والرجل الذي يحاول أن يفهم عالمًا أكبر منه.
فؤاد المهندس.. «الأستاذ» الذي لم يتوقف عن التعلم
وربما يكون أهم سر في تجربة فؤاد المهندس أنه لم يتعامل مع الكوميديا باعتبارها مجرد موهبة فطرية.
كان شديد الاهتمام بالمسرح، وبالنص، وبالمخرج، وبالممثل الذي يقف أمامه، وكان يؤمن بأن احترام الجمهور يبدأ من احترام عقله.
ولهذا ظل قادرًا على الانتقال بين المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون، وعلى مخاطبة الأطفال والكبار في الوقت نفسه.
النهاية.. ضحك طويل وستارة لم تُغلق
في السادس عشر من سبتمبر 2006، توفي فؤاد المهندس عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد مسيرة امتدت عقودًا، تاركًا وراءه أعمالًا أصبحت جزءًا من الذاكرة المصرية، رحل «الأستاذ»، لكن الشخصيات التي صنعها لم ترحل.
رحل الرجل الذي كان يخرج إلى المسرح فيضحك الجمهور، بينما كانت خلف الضحكة حكاية إنسان، وبيت، وأسرة، وحب، وانكسارات، وأصدقاء، وتلاميذ، وأجيال من الفنانين الذين مروا من مدرسته.
وبعد عشرين عامًا من رحيله، ربما يكون أكثر ما يثبت مكانة فؤاد المهندس أن أبناء اليوم ما زالوا يضحكون من المشهد نفسه الذي ضحك منه آباؤهم وأجدادهم.
وهذه هي الجائزة الحقيقية التي حصل عليها «الأستاذ» من جمهوره: أن يظل حاضرًا حتى بعد أن غابت صورته عن المسرح.





