ناهد رشدي.. رحلت في يوم ميلادها، لكن «سنية» بقيت حاضرة في ذاكرة المصريين

هناك فنانون يرحلون، فتُغلق الستارة على أدوارهم، وهناك آخرون يتركون وراءهم شخصيات تبدو وكأنها لم تمت معهم، لأنها أصبحت جزءًا من ذاكرة الناس وحكايات بيوتهم. ومن هؤلاء الفنانة ناهد رشدي، التي رحلت في 14 سبتمبر 2024، في مفارقة مؤثرة؛ إذ كان يوم رحيلها هو نفسه يوم ميلادها.
ولدت ناهد رشدي في 14 سبتمبر 1956، وتخرجت في قسم التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1982، لتبدأ رحلة فنية امتدت قرابة أربعة عقود، قدمت خلالها عشرات الأعمال بين الدراما والمسرح والسينما.
لكن اللافت في تجربة ناهد رشدي أن شهرتها لم تُبنَ على بطولة مطلقة أو حضور صاخب، وإنما على قدرتها على منح الشخصيات التي تؤديها حياة كاملة، حتى لو كانت مساحتها محدودة. كانت تعرف كيف تجعل المشهد العابر يعلق في الذاكرة، وكيف تمنح الشخصية ملامحها الخاصة دون استعراض.
ناهد رشدي «سنية».. الشخصية التي تجاوزت حدود الشاشة
ربما لم تكن ناهد رشدي تتخيل أن شخصية «سنية عبدالغفور البرعي» في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» ستصبح يومًا جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية بهذا الشكل.
فـ«سنية» لم تكن مجرد ابنة في عائلة عبدالغفور البرعي؛ كانت نموذجًا للفتاة التي تحلم بحياة مختلفة، وتعيش صراعاتها العاطفية والعائلية وسط مجتمع تتشابك فيه الرغبات مع القيود.
وبأداء هادئ بعيد عن المبالغة، استطاعت ناهد رشدي أن تجعل الشخصية قريبة من الناس. وبعد سنوات طويلة من عرض المسلسل، ظل اسم «سنية» حاضرًا في أحاديث الجمهور، حتى أصبح كثيرون يتذكرون الشخصية قبل أن يتذكروا اسم الفنانة التي جسدتها.
وهنا تكمن قيمة ناهد رشدي الحقيقية: لم تكن بحاجة إلى أن تكون الشخصية الأولى في التتر حتى تكون الأولى في ذاكرة المشاهد.
من «أرابيسك» إلى «هوانم جاردن سيتي»
لم تتوقف بصمتها عند «سنية»، فقد شاركت في مجموعة كبيرة من الأعمال المهمة، من بينها «أرابيسك» و«هوانم جاردن سيتي» و«واحة الغروب» و«الاختيار» وغيرها، كما شاركت في أعمال مسرحية وإذاعية عديدة.
وتشير المصادر إلى أن رصيدها الفني تجاوز عشرات الأعمال، فيما تجاوزت مشاركاتها في المسلسلات التلفزيونية والإذاعية 80 عملًا وفق ما نُشر عقب رحيلها.
وفي كل مرحلة كانت ناهد رشدي تثبت أن الممثل الحقيقي لا يقاس بعدد مشاهد البطولة، وإنما بقدرته على ترك أثر مهما كانت مساحة الدور.
وجه آخر بعيد عن الكاميرا
وراء الفنانة التي عرفها الجمهور قوية أمام الكاميرا، كانت هناك امرأة خاضت رحلة طويلة مع المرض، وظلت تقاوم لسنوات قبل أن يكتب لها القدر الرحيل.
عانت ناهد رشدي من السرطان لأكثر من عشر سنوات، بحسب ما نشر عقب وفاتها، لكنها ظلت حريصة على خصوصية مرضها، وهو جانب يكشف عن شخصية اختارت أن تحتفظ بآلامها بعيدًا عن الأضواء.
وفي فجر 14 سبتمبر 2024، رحلت ناهد رشدي عن عمر 68 عامًا، لتأتي المفارقة الأشد قسوة: اليوم الذي كان يفترض أن تستقبل فيه تهاني ميلادها، أصبح يوم وداعها.
وأعلنت ابنتها دينا سعد خبر الرحيل بكلمات مؤثرة، بينما شيعت الجنازة من مسجد عبد الرحمن الكواكبي بالعجوزة وسط حضور عدد من الفنانين والأصدقاء.
لماذا بقيت ناهد رشدي؟
لأن بعض الفنانين لا يحتاجون إلى عشرات البطولات حتى يصبحوا جزءًا من وجدان الجمهور.
ناهد رشدي تنتمي إلى جيل كان يؤمن بأن قيمة الممثل ليست في أن يحتل الشاشة طوال الوقت، وإنما في أن يصدق الناس الشخصية التي يقدمها، ولذلك بقيت «سنية» بعد مرور سنوات، وبقيت معها تفاصيل وجه ناهد رشدي وصوتها وطريقتها في الأداء.
رحلت ناهد رشدي، لكن «سنية» لم ترحل
وفي كل مرة يعاد فيها عرض «لن أعيش في جلباب أبي»، تعود ناهد رشدي من جديد، لا كذكرى فنانة غابت، وإنما كوجه مألوف من زمن جميل، زمن كانت فيه الشخصيات تُكتب بصدق، ويمنحها الممثلون من أرواحهم ما يجعلها تعيش أطول من أصحابها.
رحم الله ناهد رشدي.. رحلت في يوم ميلادها، لكنها تركت لنا شيئًا أقوى من العمر: أثرًا لا يزال حيًا.




