أحمد الخميسي.. حكاية كاتب في زمن التحولات

نشأ أحمد الخميسي في بيت يتنفس الأدب والفن والثقافة؛ فهو نجل الرمز الثقافي عبد الرحمن الخميسي. فتحت هذه البيئة أمامه أبوابًا مبكرة إلى عالم الأدب والفن، لكنها وضعت أمامه تحديًا صعبًا: أن يشق لنفسه طريقًا مستقلًا عن الأب.
ولعل أحد وجوه أهمية تجربته أنه لم يعش طويلًا في ظل اسم أبيه، وإنما سعى إلى تأسيس صوته الخاص؛ أخذ منه حب الكلمة، لكنه لم يطلب مكانة جاهزة. ومنذ البدايات تشكلت تجربته بين القصة القصيرة والترجمة والصحافة والدراسة، ثم اتسعت لتشمل الكتابة الفكرية والتوثيقية والمسرح.
نشر قصصه الأولى وهو في سن صغيرة في «صباح الخير» و«القصة»، قبل أن يلفت انتباه يوسف إدريس، الذي قدمه إلى قراء مجلة «الكاتب» بنشر قصته «استرجاع الأحلام» عام 1966. وفي عام 1967 صدرت أولى مجموعاته القصصية «الأحلام، الطيور، الكرنفال»، بالاشتراك مع أحمد هاشم الشريف ومحمود مؤنس، لتبدأ بذلك مسيرته الطويلة مع القصة القصيرة.
لم يكن الأدب في حياة الخميسي منفصلًا عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشه جيله. فقد كان جيل الستينيات يعيش لحظة شديدة التعقيد؛ أحلامًا كبيرة وأسئلة عن العدالة والحرية، وصدمة سياسية ونفسية أعقبت هزيمة يونيو 1967.
وفي فبراير 1968 اعتُقل على خلفية مشاركته في المظاهرات الطلابية، وقضى فترة في المعتقلات المصرية. ولم يكن السجن حادثًا عابرًا في تجربته، بل أصبح جزءًا من وعيه بالعالم والإنسان والسلطة والخوف والحرية. فهو لم يكن كاتبًا يراقب الحياة من خارجها، بل دخلها في أشد لحظاتها قسوة، ودفع ثمنًا شخصيًا لاختيار الموقف؛ ولذلك يصعب فصل أدبه عن إحساس مبكر بأن الكلمة قد تتحول في لحظة إلى موقف أخلاقي.
ولم يتوقف نشاطه عند الأدب؛ فقد كتب السيناريو والحوار السينمائي، وشارك في كتابة حوار فيلم «عائلات محترمة» عام 1968، ثم «زهرة البنفسج» عام 1972.
في العام نفسه، انتقل إلى الاتحاد السوفيتي لمواصلة دراسته، وهناك بدأت واحدة من أكثر مراحل حياته تأثيرًا في تكوينه الثقافي. لم تكن موسكو مجرد مكان للدراسة، بل بوابة إلى الأدب والثقافة الروسية. درس اللغة والأدب الروسي، وحصل عام 1992 على الدكتوراه في الأدب الروسي من جامعة موسكو.
وخلال إقامته هناك عايش السنوات الأخيرة من الاتحاد السوفيتي ثم
مرحلة انهياره والتحولات الكبرى التي أعقبت ذلك؛ فكان يعيش داخل التاريخ، لا يقرأه من الكتب فقط. وأتاحت له موسكو أن ينظر إلى مصر والعالم من مسافة مختلفة، وأن يقرأ التحولات السياسية والثقافية بعين الكاتب والمراقب والمترجم. وفي الوقت نفسه عمل مراسلًا لإذاعة أبو ظبي ولجريدة «الاتحاد» الإماراتية، جامعًا بين الدراسة والصحافة والكتابة.
وكانت الترجمة عن الروسية أحد أبرز وجوه تجربته؛ فلم تكن عنده نقلًا لغويًا فحسب، وإنما فعلًا ثقافيًا يفتح نافذة بين عالمين. نقل إلى العربية أعمالًا ونصوصًا روسية في الأدب والنقد والمسرح وأدب الأطفال، واهتم بأسماء كبيرة، وفي مقدمتها تشيخوف وغوركي.
ولم يكن ذلك غريبًا على كاتب تشكل وعيه في حضن القصة القصيرة؛ فالأدب الروسي، باهتمامه بالإنسان العادي والتفاصيل اليومية والمفارقة والألم الإنساني، يقترب في جوانب كثيرة من حساسيته القصصية. ومن هنا تبدو الترجمة جزءًا من مشروعه الإبداعي؛ فالكاتب الذي يترجم أدبًا من ثقافة أخرى لا يعود من التجربة كما ذهب إليها، وإنما تتسع رؤيته وتتغير أدواته. وقد كرمه اتحاد الكتاب الروس، ومنحه عضويته الشرفية، تقديرًا لجهوده في التعريف بالأدب الروسي.
امتدت كتابات الخميسي إلى مجالات فكرية وتوثيقية متعددة؛ فكتب عن روسيا وتجربته فيها، والتحولات السياسية والاجتماعية، والحرب في الشيشان، ونساء الكرملين، والعلاقة بين الأقباط والمسلمين
، إلى جانب اهتمامه بنجيب محفوظ والاستشراق الروسي.
ومن كتبه في هذا السياق «موسكو تعرف الدموع»، و«رحلة إلى الشيشان»، و«نساء الكرملين»، و«نجيب محفوظ في مرايا الاستشراق الروسي»، و«الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين». وتكشف هذه الأعمال عن مثقف لا يرى الأدب جزيرة معزولة، بل جزءًا من أسئلة المجتمع والتاريخ والسياسة والثقافة.
وعندما عاد إلى مصر في أواخر التسعينيات، واصل الكتابة والعمل الصحفي، وظل حاضرًا في المجال الثقافي، كما انخرط في النشاط العام والنقابي، ودافع عن قضايا الأدباء والصحفيين وحرية التعبير واستقلال المؤسسات الثقافية.
ومع كل هذه التحولات، ظلت القصة القصيرة البيت الأدبي الأهم لأحمد الخميسي. توالت مجموعاته، ومنها «قطعة ليل»، و«كناري»، و«رأس الديك الأحمر»، و«أنا وأنت»، و«ليل بلا قمر»، و«ورد الجليد».
وفي «قطعة ليل»، الصادرة عام 2004، بدا أكثر استقرارًا في عالمه القصصي، مقتربًا من الشخصيات المهمشة والمنكسرة، ومن التفاصيل الصغيرة التي تحمل وجعًا إنسانيًا كبيرًا. ثم جاءت «كناري»، التي حصل عنها على جائزة ساويرس لأفضل مجموعة قصصية لكبار الأدباء عام 2011، وبعدها «أنا وأنت»، التي حازت الجائزة نفسها في دورة 2016، التي أُعلنت نتائجها في يناير 2017.
وإذا أردنا البحث عن السمة الأبرز في عالمه القصصي، فلعلنا نجدها في انحيازه إلى الإنسان. فهو لا يبحث عن أبطال خارقين، وإنما يقترب من الإنسان العادي؛ من وحدته وخوفه وحبه وفقده وأحلامه الصغيرة. وقد تكون غرفة، أو امرأة، أو رجلًا وحيدًا، أو لقاءً عابرًا، لكن وراء التفاصيل اليومية يختبئ السؤال الأكبر: ماذا يفعل الإنسان حين تضيق به الحياة؟
لذلك يميل الخميسي إلى الاقتصاد في التعبير والتقاط اللحظة، وجعل التفاصيل الصغيرة حاملة لمعنى أكبر منها. والحزن في قصصه ليس مجرد مزاج، بل وسيلة لمعرفة الإنسان ومنحه، ولو للحظة، شيئًا من الضوء.
ومن الجوانب اللافتة في تجربته علاقته الأدبية بتراث أبيه عبد الرحمن الخميسي. فلم يكتفِ بأن يكون ابن شاعر معروف، وإنما عاد إلى هذا الإرث من موقع الكاتب الذي يعيد اكتشافه. وفي كتاب «الأجيال الثلاثة»، جمع قصصًا لعبد الرحمن الخميسي وأحمد الخميسي وحفيدته آنا الخميسي، ليصبح الكتاب وثيقة أدبية عن انتقال الحكاية من جيل إلى جيل.
ويطرح العمل سؤال الإرث الأدبي نفسه: هل يرث الكاتب أباه؟ ربما يرث اللغة الأولى والذاكرة الأولى والدهشة الأولى أمام الكتاب والفن، لكنه لا يرث صوته الأدبي. وهذا ما فعله أحمد الخميسي: أخذ من أبيه شغف الكلمة، ثم ذهب ليبحث عن صوته الخاص.
لا يمكن قراءة تجربة أحمد الخميسي بوصفها تجربة أديب فقط؛ ففي مسيرته حضور واضح للمثقف الذي يريد أن يكون طرفًا في مجتمعه، لا مجرد مراقب له. الشاب الذي دخل السجن، والكاتب الذي عاش سنوات في موسكو، والصحفي الذي تابع الأحداث من هناك، والأديب الذي عاد إلى القاهرة؛ كلها وجوه لشخصية واحدة ظلت الحرية حاضرة في تجربتها، وإن تغيرت صورها.
مرة كانت حرية سياسية، ومرة حرية الكاتب، ومرة حرية الإنسان في
أن يعيش بكرامة، ومرة حرية الثقافة في أن تكون مستقلة عن التوظيف والوصاية. ومن هنا تتصل تجربته بجيل من الكتاب الذين لم يروا الفصل بين الثقافة والحياة أمرًا ممكنًا.
كما أن سنواته في روسيا لم تمنحه معرفة اللغة وحدها، وإنما حملته بأسئلة الأدب الروسي؛ فتشيخوف يفتح العين على المأساة المختبئة في التفاصيل الصغيرة، وغوركي يطرح سؤال الإنسان المهمش وعلاقته بالمجتمع، بينما يفتح الأدب الروسي عمومًا أسئلة العلاقة بين الفرد والتاريخ والسلطة. وهكذا تبدو الترجمة عنده فعل حوار بين ثقافتين، لا مجرد نقل لغوي.
ويظل من اللافت أنه، رغم تعدد اهتماماته، لم يتخلَّ عن القصة القصيرة؛ فقد بقيت الشكل الأكثر ملاءمة لطبعه الأدبي: التكثيف، والتقاط اللحظة، ومعرفة أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي، لقد بدأ من الحكاية، وظل يعود إليها، ولا تتوقف أهمية تجربة أحمد الخميسي عند الجوائز التي حصل عليها؛
فقد امتدت عبر عقود شهدت تغيرات هائلة في مصر والعالم، ومرت من القاهرة إلى موسكو ثم عادت إلى القاهرة، وعبرت السجن والغربة والعمل الصحفي والترجمة والقصة. إنها تجربة جيل كامل تقريبًا، لكن بصوت فردي واضح.
أحمد الخميسي ابن زمنين: زمن كانت فيه الأحلام الكبرى ممكنة، وكانت فكرة التغيير الاجتماعي والسياسي تملأ وجدان جيل كامل، وزمن آخر بدت فيه كثير من تلك الأحلام وقد أصابها التعب والانكسار. لكنه لم يتحول إلى شاهد حزين على الماضي؛ ظل يكتب، وكأن الكتابة عنده طريقة لمقاومة النسيان.
فالكاتب الذي عاش التحولات الكبرى لا يستطيع أن يتعامل مع الحاضر بوصفه لحظة منفصلة عن الماضي. كل ما مر به يعود في صورة سؤال أو شخصية أو ذكرى أو موقف، فتتحول السيرة الشخصية إلى جزء من السيرة العامة، ويتحول السجن والغربة والعودة في الأدب إلى أسئلة عن الوطن والحرية والإنسان.
لذلك فإن أحمد الخميسي ليس مجرد أديب ومترجم وصحفي، بل واحد من أولئك الكتاب الذين حملوا زمنهم في كتاباتهم. وتتجاور في تجربته صفات القاص والمترجم والصحفي والباحث والمثقف المنخرط في قضايا مجتمعه، لكن وراء هذه الصفات جميعًا يظل شيء واحد يجمعها، وهي الحكاية.
حكاية الإنسان الذي يحاول أن يجد مكانه في عالم مضطرب، وحكاية الكاتب الذي اكتشف مبكرًا أن الكلمة قد تكون ثمنًا، وحكاية الشاب الذي دخل السجن ولم يتخلَّ عن الكتابة، وحكاية المثقف الذي ذهب إلى موسكو فعاد محملًا بثقافة أخرى، وحكاية القاص الذي ظل ينظر إلى الإنسان بعين شديدة الحساسية.
ولهذا لا نقرأ أحمد الخميسي لنستعيد مرحلة من الماضي فحسب، بل لنرى كيف يمكن لكاتب أن يعيش التحولات الكبرى دون أن يفقد صوته، ظل وفيًا للقصة، وللإنسان، ولفكرة أن الكتابة موقف؛ وبقي شاهدًا على زمن الحلم والآمال العريضة، وزمن الانكسارات والتحولات.
_____________
من كتاب “مقامات الكتابة” قيد النشر، للكاتب عبدالله السلايمة.




