في وداع الوطن الأكبر

قصيدة: شعر: أسامة مهران

تأتي قصيدة “في وداع الوطن الأكبر” للشاعر الدكتور أسامة مهران بوصفها نصًا شعريًا يحمل هموم الأمة العربية، ويستدعي أسئلة الهوية والانتماء في زمن تتشابك فيه الأزمات وتتعاظم فيه الانقسامات. ومن خلال لغة شعرية كثيفة بالرموز والصور، يرسم الشاعر ملامح وطنٍ أنهكته الخيبات، ويستحضر تاريخًا مثقلًا بالأمجاد، قبل أن يصطدم بواقع يفيض بالمرارة والأسى. وتُعد القصيدة شهادة وجدانية على ما يعتمل في النفس العربية من حنين إلى الوحدة، وألم من التشتت، وإيمان بأن الكلمة الصادقة تبقى قادرة على مقاومة الانكسار.

نص قصيدة في وداع الوطن الأكبر

ما عاد لدينا وطنٌ أكبر

غضبٌ أعظم

عمقٌ أعمق

كل مسافات الريح المزروعة في الضي

والمنزوعة من وطنٍ أصغر

صارت أصغر

صارت أوعر

كل متاهات الحلم الطاعن في الأذهان

والصابر في الأرحام

والصادق في زمنٍ أغبر

ضاع هباءً

والروح المنسوبة للأسماء الحسنى

عادت من رحلتها الكبرى

لتعيد إلينا النطق

وتفيض علينا بقليلٍ أكثر

كنتُ على حافة صبرٍ أتألم

من وجعٍ إثني

من عَرَضٍ وثني

من غيرٍ مثلي

كنت على بعد من قرب أبعد

أتشاور في شأن الأمة

في أحوال الكهنة

في أموال الآلهةِ

المسكونة بـ”فرسان” المعبد

كنتُ طويل القامة والمقصد

وعميق الهامة والمنبت

فإذا بالحمل الأثقل في الوادي

يأتي منهارًا فوق رؤوس الأشهاد

– لا أمةٌ تتوضأ بالضوء الشارد والأمجاد

– لا عظة تتفيأ لقطتها من ثرثرة الأولاد

– لا أمل في شعبٍ إفطاره مسك

وعشاؤه عنبر

آه يا وطني الأكبر

لا ماضٍ يتجرأ فيك

لا حاضر يولد منك

لا سند

لا مدد

لا معبر

آه يا وطني الأكبر

أصغيت إليك بأحلامي

سلمتك مستقبل ظني

وفتاتي الظامي

ورجعت إليك على ظهر

حصانٍ منزوع الحيلة

والإقدامِ

فاستقبلني الناس وفي أيديهم

باقات زهورٍ

وطبولٍ

ونذورٍ

وبين أصابعهم

قطرات دماءٍ

وثغور

فإذا بالأرض الحبلى بالأنقاض

تُخرج من باطنها أفلاكًا وكواكب

وأفاعي وعناكب

وبلادٍ من آخر نسخة خلق

لأول حرفٍ من

بشرٍ مشتق

فرأيت قوافل تهجر وديانًا

وتعلق صلبانًا

وتغافل قومًا

ينشقُ

وينشقْ

هنا باب المندب

هنا جبل طارق

و.. هنا يتسع المضيق

في نهاية “في وداع الوطن الأكبر”، لا يكتفي الشاعر أسامة مهران برثاء واقع الأمة، بل يترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل في مصير الإنسان العربي، ومستقبل الوطن الذي ظل طويلًا حلمًا جامعًا قبل أن تعصف به رياح الفرقة والصراعات. إنها قصيدة تتجاوز حدود الشعر إلى فضاء الفكر، وتؤكد أن الإبداع الحقيقي يظل مرآةً صادقةً لنبض الشعوب، وصوتًا يحمل الألم والأمل معًا، ليبقى الوطن حاضرًا في الوجدان مهما اشتدت العواصف.

اقرأ ايضا:

بعد الرحيل.. قصيدة جديدة للشاعرة أميمة سالم ترصد وجع الفقد وأثر الغياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى