بعد الرحيل.. قصيدة جديدة للشاعرة أميمة سالم ترصد وجع الفقد وأثر الغياب

هناك قصائد لا تُقرأ بالحروف، بل تُلامس القلوب بما تحمله من وجعٍ وتأمل، وتترك في النفس أثرًا يشبه الصمت بعد الفقد. وفي قصيدة “بعد الرحيل” ترسم الشاعرة أميمة سالم لوحة شعرية تتأرجح بين الحنين والاستسلام لقضاء الزمن، حيث يتحول الرحيل إلى سؤالٍ وجودي، وتصبح الذكريات أوتارًا تعزف فوق أنقاض الأحلام، في نصٍ يفيض بالصور البلاغية والإيقاع الهادئ الذي يعكس مرارة الغياب، ويؤكد أن بعض الفراق لا تداويه الأيام.

بعد الرحيل

شعر: أميمة سالم

عذرًا أيتها الأقدار،
فذاك عمرٌ بالثرى،
وحلمٌ غادر الديار.

وشمسٌ هنا سكنت،
توارت وولّت الأدبار.

وذاك غدٌ لاذَ يرتقب،
يملك والأيدي القرار.

وصروحُ خيالٍ قد هوت،
كم داعبت فينا أفكار.

مرّت كسحابٍ عابثٍ،
ورياحٍ تجهل المسار.

عذرًا حين يمتطي الدجى،
ليلًا ويعتلي الأسوار.

يغزو الصمتُ بكبرياء،
ويأبى الخضوع إلا فرار.

يسحق السنين ويمرق،
كسهمٍ يخطف الأعمار.

عازفًا بأطلال الثرى،
ما لمشيئته فينا اختيار.

يرمي بسهمٍ فينعاني،
لا يمهل خطًى ولا أعذار.

كمن بالعهد قد أوفى،
إلا وأن يؤسر الأحرار.

حسبك يا عازف الثرى،
فما عاد بك منا اعتذار.

قد بلغت بالجروح نصابًا،
وداعبت جفون الأسحار.

دع عنك العهد، فليس
بالعهود تُودَع الأسرار.

كم خالفت الظنون مقالًا،
وحلمٌ كم عانق الأقمار.

وذكرى، وصدىً زائف،
ووعودٌ تُسلَب غرار.

ما عساك وأطلالٍ، يا عازف؟
أبعد الرحيل تُعزف الأوتار؟

ما بعد الرحيل… تُعزف أوتار.

في “بعد الرحيل” لا تكتفي أميمة سالم برثاء الغياب، بل تُحوّل الفقد إلى تأمل فلسفي في الزمن، والقدر، والأحلام التي تنكسر دون استئذان. وتنجح القصيدة في أن تجعل القارئ شريكًا في هذا الحزن النبيل، عبر لغة شاعرية رصينة وصور موحية تحمل بين ثناياها الكثير من الشجن والصدق الإنساني. إنها قصيدة تؤكد أن الرحيل قد يطوي الأجساد، لكنه لا يستطيع أن يُسكت صدى الذكريات، ولا أن يمنع الأوتار من العزف في القلب كلما مرّ طيف الغائبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى