خيري شلبي.. حكّاء الشارع المصري الذي جعل المهمشين أبطالًا للرواية

لم يكن خيري شلبي مجرد روائي وقاص غزير الإنتاج، بل كان واحدًا من أبرز الأصوات الأدبية المصرية التي استطاعت أن تمنح الحياة اليومية والناس البسطاء والمهمشين مساحة واسعة داخل الرواية العربية. ومن خلال عشرات الأعمال، نجح في بناء عالم أدبي شديد الخصوصية، امتزجت فيه الواقعية بالفانتازيا، وتداخلت فيه الحكاية الشعبية مع التاريخ، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بصورة مميزة للشارع المصري بكل ما يحمله من تفاصيل وشخصيات وحكايات.

ولد خيري شلبي في 31 يناير 1938 بقرية شباس عمير، مركز قلين بمحافظة كفر الشيخ، ورحل في 9 سبتمبر 2011 عن عمر ناهز 73 عامًا، تاركًا وراءه نحو 70 كتابًا تنوعت بين الروايات والمجموعات القصصية والمسرحيات والدراسات النقدية والكتابات التاريخية.

خيري شلبي من قرية شباس عمير بدأت الحكاية

نشأ خيري شلبي في بيئة ريفية كان لها أثر واضح في تكوينه الأدبي فيما بعد. فقد ظل الريف المصري، بما فيه من شخصيات وعلاقات اجتماعية وحكايات شعبية، حاضرًا بقوة في عالمه الروائي.

ولم ينظر شلبي إلى الإنسان البسيط باعتباره شخصية هامشية في المجتمع، وإنما جعله في كثير من أعماله مركزًا للحكاية، لذلك جاءت رواياته مليئة بشخصيات من الشوارع والأحياء الشعبية والقرى، تحمل أحلامها الصغيرة وصراعاتها اليومية، وتكشف في الوقت نفسه عن طبقات أعمق من المجتمع المصري.

وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن شلبي قدم في أعماله تشريحًا للمجتمع المصري، سواء في الريف أو في عالم الفئات المهمشة داخل المدن، ورصد تشابكات العلاقات الاجتماعية بين مختلف الطبقات.

خيري شلبي.. أكثر من 70 كتابًا

امتاز خيري شلبي بغزارة إنتاجه الأدبي، إذ تجاوز رصيده 70 كتابًا، توزعت بين الرواية والقصة القصيرة والمسرح والدراسات النقدية والتاريخية وأدب الرحلات.

ومن أشهر رواياته: السنيورة، الأوباش، الشطار، الوتد، العراوي، فرعان من الصبار، موال البيات والنوم، ثلاثية الأمالي
بغلة العرش، لحس العتب، منامات عم أحمد السماك، موت عباءة، بطن البقرة، صهاريج اللؤلؤ، نعناع الجناين، صالح هيصة
وكالة عطية، صحراء المماليك، زهرة الخشخاش، نسف الأدمغة.

كما كتب مجموعات قصصية من بينها صاحب السعادة اللص، والمنحنى الخطر، وسارق الفرح، وأسباب للكي بالنار، والدساس، وأشياء تخصنا، وقداس الشيخ رضوان.

«الوتد».. القرية المصرية في قلب الرواية

تُعد رواية «الوتد» واحدة من أكثر أعمال خيري شلبي حضورًا في الذاكرة المصرية، خصوصًا بسبب قدرتها على تقديم المجتمع الريفي من الداخل، بشخصياته وعلاقاته وتقاليده وصراعاته.

ولم تكن أهمية الرواية في أحداثها فقط، وإنما في الطريقة التي تعامل بها شلبي مع الشخصيات؛ إذ لم يقدمها بصورة نمطية، بل منح كل شخصية صوتًا وملامح خاصة، وجعل التفاصيل اليومية جزءًا أساسيًا من البناء الروائي.

وقد تحولت «الوتد» إلى مسلسل تلفزيوني، كما تحولت أعمال أخرى لخيري شلبي إلى الدراما، من بينها «الكومي» و«وكالة عطية».

«وكالة عطية».. عالم المهمشين

ومن أبرز أعماله أيضًا رواية «وكالة عطية»، التي دخل من خلالها إلى عالم المهمشين والصعاليك وسكان العالم السفلي للمدينة.

وقد ارتبطت الرواية بصورة واضحة بفكرة الإنسان الذي يجد نفسه خارج دوائر المجتمع التقليدية، لكنها في الوقت نفسه لا تكتفي بتقديم هؤلاء الأشخاص كضحايا، وإنما تمنحهم شخصيات مركبة وأصواتًا وحكايات خاصة.

وحصل خيري شلبي عن «وكالة عطية» على جائزة نجيب محفوظ للأدب من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2003، كما تحولت الرواية لاحقًا إلى عمل تلفزيوني.

رائد في الواقعية السحرية والفانتازيا التاريخية

من أبرز ما يميز تجربة خيري شلبي أنه لم يلتزم بالواقعية التقليدية وحدها؛ فقد كان من أوائل الكتاب المصريين الذين استخدموا ما أصبح يُعرف بالواقعية السحرية، حيث يتداخل الواقع مع الخيال والأسطورة بصورة تجعل الحدود بينهما غير واضحة.

وفي عالمه الأدبي يمكن أن تتحول الأشياء والطبيعة والحيوانات إلى عناصر فاعلة في الحكاية، بينما تبدو الأحداث العجيبة وكأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية. وقد أشارت كتابات نقدية وصحفية إلى مكانته بوصفه من رواد الفانتازيا التاريخية في الرواية العربية المعاصرة.

وتبرز هذه السمة بصورة خاصة في أعمال مثل «السنيورة» و«بغلة العرش» و«رحلات الطرشجي الحلوجي».

لم يكن روائيًا فقط

ربما لا يعرف كثيرون أن خيري شلبي كان صاحب تجربة واسعة خارج عالم الرواية، فقد عمل في الصحافة، واهتم بالنقد الإذاعي، كما تولى رئاسة تحرير سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة. واهتم كذلك بالمسرح والتراث الأدبي، وكان له جهد بارز في اكتشاف وتحقيق نصوص مسرحية مصرية قديمة.

وفي سبعينيات القرن الماضي تمكن من الوصول إلى أكثر من 200 مسرحية مطبوعة تعود إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بينها نصوص لم تكن حاضرة في الدراسات التاريخية والنقدية للمسرح المصري، ومن بينها مسرحية «فتح الأندلس» المنسوبة إلى الزعيم الوطني مصطفى كامل، ونص «الراهب» للشيخ أمين الخولي.

وهذا الجانب يكشف أن شلبي لم يكن منشغلًا بالكتابة الإبداعية فقط، بل كان لديه اهتمام واضح بجمع الذاكرة الثقافية المصرية وإعادة اكتشاف ما غاب منها.

خيري شلبي وفن البورتريه

ومن المجالات التي ترك فيها خيري شلبي بصمته أيضًا فن البورتريه الأدبي، أي رسم الشخصيات بالكلمات، وكتب عن شخصيات مصرية عديدة، وجمع عددًا من هذه الكتابات في أعمال مثل «أعيان مصر» و«مراهنات الصبا»، وغيرها.

وقد وصفته بعض المصادر بأنه أحد أبرز من أعادوا إحياء فن الصورة القلمية في الأدب المصري بعد يحيى حقي، وهو ما يفسر قدرته اللافتة على التقاط التفاصيل الصغيرة في الشخصيات وتحويلها إلى مادة أدبية نابضة بالحياة.

من الورق إلى السينما والتليفزيون

لم تتوقف شهرة أعمال خيري شلبي عند القراء، وإنما انتقلت شخصياته وحكاياته إلى الشاشة، ومن أبرز الأعمال التي تحولت إلى السينما أو التلفزيون: الشطار، سارق الفرح، الوتد، الكومي، وكالة عطية.

وكان فيلم «سارق الفرح» من أبرز التجارب السينمائية المأخوذة عن عالمه الأدبي، بينما ظل مسلسل «الوتد» حاضرًا بقوة في ذاكرة المشاهد المصري.

جوائز وتقدير أدبي

حصل خيري شلبي خلال مسيرته على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1980، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1981، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2005. كما ارتبط اسمه بجائزة نجيب محفوظ للأدب التي حصل عليها عن «وكالة عطية» عام 2003.

كما ترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية والإيطالية وغيرها، وهو ما ساهم في انتقال جزء من صورة المجتمع المصري التي قدمها إلى قارئ خارج العالم العربي.

خيري شلبي.. لماذا بقي حاضرًا بعد رحيله؟

ربما تكمن أهمية خيري شلبي الحقيقية في أنه لم يكتب عن مصر من بعيد، وإنما كتبها من داخل تفاصيلها، كتب عن القرية والمدينة، عن الفقير والغني، عن الصعلوك والمثقف، عن المهمش وصاحب السلطة، وعن الشخصيات التي قد تمر في الشارع دون أن يلتفت إليها أحد.

وهنا تحديدًا تكمن فرادة تجربته؛ فهو لم يكن يبحث عن الشخصيات الاستثنائية فقط، بل كان قادرًا على العثور على الحكاية داخل الشخصية العادية.

ولهذا ظل اسم خيري شلبي مرتبطًا بوصف الشارع المصري، ليس باعتباره مكانًا جغرافيًا، وإنما باعتباره عالمًا كاملًا من اللغة والعادات والذاكرة والصراع والأحلام.

رحيل صاحب «الوتد»

في فجر 9 سبتمبر 2011 رحل خيري شلبي عن عمر ناهز 73 عامًا إثر أزمة قلبية، بعد رحلة أدبية امتدت لعقود وخلّفت عشرات الكتب والشخصيات والحكايات.

لكن رحيله لم يضع نهاية لعالمه؛ فرواياته ما زالت تُقرأ، وأعماله ما زالت تتحول إلى دراسات وأبحاث، وشخصياته لا تزال حاضرة في الذاكرة الدرامية والأدبية المصرية.

خيري شلبي لم يكتب الشارع المصري فقط، بل منح هذا الشارع ذاكرة أدبية تحفظ وجوهه وحكاياته وأصواته. وربما لهذا السبب تحديدًا بقيت أعماله قادرة على الوصول إلى أجيال لم تعش الزمن الذي كتب عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى