ثقافة

اللعبة.. حين تلتقي ذكريات الماضي بأحلام المستقبل

الكاتب: حسين عبد العزيز

افترشت الجدة عالية الأرض أمام دارها، وأسندت ظهرها إلى الحائط، تراقب أحفادها وهم يركضون خلف الكرة، يصرخون ويضحكون بلا سبب أحيانًا، وبسبب أحيانًا أخرى. ابتسمت وهي تستمتع بهذه اللحظات، لكن انتباهها سرعان ما اتجه نحو حفيدها محمود، الذي كان يجلس بعيدًا تحت شجرة التوت.
تلك الشجرة لم تكن مجرد شجرة عادية، بل كانت حكاية عمر. زرعها جدّه محمود القصبي يوم زواجهما، منذ زمن بعيد، زمن لا تستطيع الجدة تحديده بدقة، رغم أنها لم تتجاوز الخامسة والخمسين من عمرها. لكنها كانت دائمًا تروي لأحفادها، كما روت من قبل لأبنائها الخمسة، قصة تلك الشجرة التي أصبحت تفيض بالتوت وتُطعم الجميع.
حدّقت الجدة في محمود، ثم نادته بصوت مرتفع:
– محمود يا واد… يا محمووود!
رفع الفتى رأسه، ونهض ممسكًا بهاتفه، يعبث به بإصبعه اليسرى، فهو أعسر. اقترب منها دون أن يرفع عينيه عن الشاشة، وقال باقتضاب:
– نعم يا تيتا؟
ابتسمت له وسألته بلطف:
– بتعمل إيه يا حبيبي؟
رد دون اهتمام:
– زي ما إنتِ شايفة.
هزت رأسها مبتسمة وقالت:
– طب تعالى اقعد جنبي… وقولي نفسك تطلع إيه لما تكبر؟
توقف محمود عن اللعب، ورفع عينيه لأول مرة، ثم اقترب وجلس بجوارها وقال:
– هقولك… بس بشرط تحكيلي حكاية عن جدي محمود.
ابتسمت الجدة، واحتضنته، وقبّلته على خده قائلة:
– حاضر يا شاطر… هحكيلك حكاية من أول سنة جوازنا.
تنهدت قليلًا، وكأنها تعود بذاكرتها إلى الماضي، ثم قالت:
– في مرة، كان جدك لسه شاري عربية جديدة، وكنا بنخرج بيها مشاوير قريبة لحد ما يتعلم السواقة كويس. وفجأة، لقينا عربية نقل كبيرة جاية في وشنا، وكان لازم نرجع بالعربية لورا علشان تعدّي.
ثم تابعت بابتسامة:
– جدك وقف العربية ونزل منها… وأنا خوفت جدًا، وافتكرت إنه هيتخانق مع السواق… لكن اللي حصل كان حاجة تضحك!
ضحكت الجدة، وأضافت:
– راح قال للسواق: “أنا معرفش أرجّع بالعربية… تعال إنت رجّعها!”
انفجر الاثنان في الضحك، وأضافت:
– الراجل فضل يضحك لحد ما دموعه نزلت، ونزل رجّع العربية بنفسه!
ضحك محمود بشدة وقال:
– يا سلام على صراحة جدي!
ثم نظرت إليه الجدة بحنان وسألته:
– طب قولّي بقى… نفسك تطلع إيه لما تكبر؟
ابتسم محمود وقال بحماس:
– نفسي أبقى مصمم ألعاب إلكترونية… زي الألعاب اللي بلعبها دي!
نظرت إليه الجدة بفخر، وربتت على كتفه، وكأنها ترى فيه حلمًا جديدًا ينبت، مثل شجرة التوت التي زرعها جده يومًا.

بين حكايات الماضي وأحلام الحاضر، يبقى الأمل دائمًا في قلوب الصغار، حيث تنمو الأحلام كما تنمو الأشجار… تحتاج فقط إلى رعاية وحب.

اقرأ ايضا:

تنابلة السلطان.. حكاية للأطفال تكشف خطورة الكسل والاعتماد على الآخرين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى