مقالات

هبة عبد الوهاب تكتب: أزمة العقار.. عندما يتحول السكن من حق اجتماعي إلى سلعة استثمارية

يشهد سوق العقارات في كثير من المجتمعات ارتفاعات متسارعة في أسعار الأراضي والوحدات السكنية، حتى أصبحت القدرة على امتلاك مسكن تمثل تحديًا حقيقيًا أمام قطاع واسع من المواطنين، وخاصة الشباب. ولم تعد المشكلة مرتبطة بارتفاع أسعار مواد البناء أو تكلفة التطوير العمراني فحسب، بل أصبحت تعكس أزمة اقتصادية أعمق تتعلق بطبيعة السوق العقارية وآليات تسعيرها وتوجيه الاستثمارات إليها.

في الوقت الذي يُفترض أن يؤدي العقار وظيفة اجتماعية تتمثل في توفير السكن والاستقرار، تحوّل العقار تدريجيًا إلى وعاء استثماري للمضاربة، وهو الأمر الذي أسهم في وجود فجوة متزايدة بين الدخول الحقيقية للأفراد والأسعار المتداولة في السوق.

في ظل التقلبات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، يتجه كثير من المواطنين إلى العقار باعتباره أحد أكثر الأصول قدرة على حفظ القيمة. وقد أدى هذا التوجه، بشكل أو بآخر، إلى تدفق المدخرات نحو شراء الأراضي والوحدات السكنية، ليس بغرض السكن أو الاستخدام الفعلي، وإنما باعتبارها مخزنًا للثروة.

وربما يبدو هذا سلوكًا منطقيًا على المستوى الفردي، إلا أنه على مستوى المجتمع أدى إلى زيادة الطلب على العقارات، مما دفع الأسعار إلى الارتفاع بصورة تفوق النمو الحقيقي في الطلب السكني.

وبالفعل ظهرت أزمة المضاربة العقارية، التي تُعد أحد أهم العوامل المساهمة في تضخم الأسعار. فبدلًا من أن يعكس سعر العقار قيمته الحقيقية، يصبح رهينًا لتوقعات المستثمرين والوسطاء بشأن إمكانية إعادة بيعه بسعر أعلى في المستقبل.

وتزداد المشكلة عندما تتكرر عمليات البيع والشراء للعقار نفسه خلال فترات زمنية قصيرة دون أي تطوير حقيقي يضيف قيمة اقتصادية إليه. وهنا تصبح الأرباح ناتجة عن فروق الأسعار فقط، لا عن إنتاج أو استثمار فعلي.

ومع تكرار هذه العمليات بفعل فئة غير قليلة من الوسطاء والسماسرة، نشأ ما يُعرف بالفقاعة العقارية، حيث ترتفع الأسعار إلى مستويات لا تتناسب مع القوة الشرائية للمواطنين ولا مع العائد الاقتصادي الحقيقي للعقار.

كما أن ظهور مكاتب الوساطة العقارية يؤدي دورًا مهمًا في تسهيل عمليات البيع والشراء وتوفير المعلومات للمستثمرين والمستهلكين، إلا أن ضعف التنظيم والرقابة في بعض الأسواق قد يسمح بظهور ممارسات تسهم في تضخيم الأسعار.

فعندما تصبح قيمة العمولة مرتبطة بارتفاع السعر، فإن ذلك يخلق حافزًا قويًا يدفع بعض الوسطاء إلى تشجيع زيادات متتالية في الأسعار أو الاستناد إلى صفقات استثنائية باعتبارها معيارًا عامًا للسوق.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى تنظيم مهنة الوساطة العقارية بما يضمن تحقيق التوازن بين مصالح الوسطاء وحقوق المتعاملين في السوق.

إن استنزاف مدخرات الأسر في شراء الأراضي والوحدات السكنية، وتجميد رؤوس الأموال داخل أصول غير منتجة، ساهما بنسبة كبيرة في تراجع الاستثمارات الموجهة إلى الصناعة والزراعة والقطاعات الإنتاجية الأخرى.

كما أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين مالكي الأصول العقارية وغير المالكين، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإيجارات وأسعار الخدمات.

وبعد دخول التجربة العقارية، يمكنني التأكيد على نمو أسعار العقارات بمعدلات تفوق نمو دخل السواد الأعظم من الشعب المصري، الذي يُعرف بالطبقة المتوسطة، وهي الطبقة التي تحفظ توازن المجتمعات.

كما أن زيادة الطلب الاستثماري على حساب الطلب السكني ساعدت المستثمرين على الاحتفاظ بالعقارات لفترات طويلة دون استغلالها، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات بصورة أكبر من معدلات التنمية الحقيقية، وأصبح الاعتماد على إعادة البيع وسيلة مثلى لتحقيق الأرباح السريعة.

وعند النظر إلى هذه الفجوة المتزايدة، يجب التفكير في حلول سريعة تتناسب مع طبيعة المجتمع واحتياجاته المتنامية لتحقيق التوازن في السوق العقارية، مثل إتاحة بيانات دقيقة عن الأسعار الفعلية للصفقات العقارية، ومكافحة الاحتكار، ومنع تجميد العقارات داخل النطاقات العمرانية، والتوسع في مشروعات الإسكان المتوسط والميسر.

كما ينبغي فرض رسوم على العقارات غير المستغلة لتشجيع ضخها في السوق بأسعارها الحقيقية، والأهم من ذلك تنظيم عمل الوسطاء العقاريين وإخضاعهم لضوابط مهنية واضحة، مع دعم برامج التمويل العقاري الموجهة للشباب ومتوسطي الدخل.

أخيرًا، أصبحت أزمة العقارات ليست مجرد مشكلة سكنية، بل قضية اقتصادية تمس توزيع الثروة وكفاءة الاستثمار ومستوى العدالة الاجتماعية داخل المجتمع.

فكلما ابتعدت الأسعار عن القيم الحقيقية للأصول، ازدادت الضغوط على المواطنين وتراجعت قدرة الاقتصاد على توجيه موارده نحو الأنشطة الإنتاجية.

ومن ثم، فإن بناء سوق عقارية مستقرة ومتوازنة لا يتطلب فقط زيادة المعروض من الوحدات السكنية، بل يحتاج كذلك إلى سياسات تحد من المضاربة والاحتكار وتعزز الشفافية، حتى يعود العقار إلى وظيفته الأساسية باعتباره أداة للاستقرار والتنمية، لا وسيلة لتضخم الثروات على حساب أحلام المواطنين.

اقرأ ايضا:

الشيطان والرجل الصالح في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي”.. قراءة في شخصية إبراهيم سردينة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى