ثقافة

الشيطان والرجل الصالح في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي”.. قراءة في شخصية إبراهيم سردينة

كتب: حسين عبد العزيز

إن الرسائل التي قدمها مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” كثيرة ومتنوعة، لكنني سوف أقف في هذا المقال عند دور الراحل عبد الرحمن أبو زهرة، أو شخصية المعلم إبراهيم سردينة في المسلسل، لكي نرى ونفهم ونعرف معنى الرجل الصالح من منظور جديد، منظور ينظر إلى الدنيا بعين العقل والمنطق.

إنها وجهة نظر جديدة للرجل الصالح الذي تقدمه الدراما لنا، وليست تلك الصورة التقليدية لشخص يسير في الشارع مرتديًا ملابس رثة ويتفوه بكلمات ليس لها أي معنى، ليُوحي بأنه من المجاذيب.

لقد قدم مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” نموذجًا عصريًا وعقلانيًا ومحببًا للجميع للرجل الصالح. والممتع والمثير للتفكير أن الشيطان كان حاضرًا معه في كل تحركاته، لكنه أحسن فهمه، فأغلق أمامه كل المنافذ التي يمكن أن يتسلل منها إلى الإنسان.

والشيطان هنا هو شخصية الريس مرسي التي جسدها الفنان خليل مرسي، حيث إن كل كلمة في الحوار، وكل شخصية في العمل التلفزيوني، تحمل معنى وقيمة ودلالة.

وهنا لا بد أن أتوقف عند السيناريو والحوار لأقول إنهما البطل الأول في العمل، فقد أبدع السيناريست مصطفى محرم في صياغة هذا المسلسل، مستندًا إلى نص قصير للكاتب إحسان عبد القدوس، وصنع منه عملًا دراميًا فريدًا للغاية.

لكن شهرة الشخصيات والحوار طغت على أسماء ثلاثي العمل الأساسي: المؤلف والمخرج والبطل.

فجميع الشخصيات في المسلسل أبطال، حتى شخصية عامل المقهى “حمامة”، التي لا يمكن تخيل الأحداث من دونها. وقد نجح السيناريو في ذلك بجدارة، كما نجح في تقديم نماذج إنسانية نتمنى وجودها في أرض الواقع، باستثناء نموذج واحد لا نتمنى وجوده، وهو الشيطان، الذي جسده الفنان خليل مرسي ببراعة.

والرجل الصالح أو الصوفي في المسلسل ليس صاحب كلام مبهم كدراويش الموالد، وإنما هو رجل واعٍ تمامًا لما يفعل، ومدرك لما يستجد أمامه من مواقف وأحداث.

لقد عمل على كسب الدنيا، فنجح في كسب الآخرة، وأصبح صافي القلب والعقل، يقف بجوار الحق، ويقدم العون لمن يحتاجه.

ولم ينسَ أن عبد الغفور البرعي جاء من طرف رجل مبارك دعا له بالتوفيق والنجاح والتميز، وكان ذلك الرجل هو الحاج إبراهيم سردينة، الذي أصبح واحدًا من أكبر تجار وكالة البلح.

وقد فعل الأمر نفسه مع كل من عمل لديه بإخلاص وضمير. وقد ذكره عبد الغفور البرعي بنفسه عندما غادر الإسكندرية بعد وفاة والده، والتحق بالعمل في الوكالة بمنتهى الحب والرغبة في تكوين الذات.

والمدهش في العمل أن الشيطان كان يظهر مع الحاج سردينة في المشاهد نفسها، وكأن الدراما أرادت أن تضع الخير والشر في مواجهة مباشرة ودائمة.

وقد حاول إبراهيم سردينة إصلاح هذا الشيطان، لكنه لم يتمكن من ذلك، لأن الشيطان سيظل شيطانًا مهما تعددت الفرص التي تُمنح له.

ووسط كل هذه التفاصيل، نجح الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة في تقديم واحدة من الشخصيات التي لا تُنسى في تاريخ الدراما المصرية، تمامًا كما نجح في أدواره الأخرى الخالدة، سواء في فيلم “أرض الخوف” أو في أعماله التاريخية والدرامية المتعددة.

إنه بالفعل فنان من الصعب أن نجد له شبيهًا، ترك بصمة فنية وإنسانية ستظل حاضرة في ذاكرة المشاهد العربي لسنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى