الناقد أحمد فرحات يكتب: نداء البراري
نداء البراري للكاتب الأمريكي جاك لندن، المنشورة سنة 1903، فهي من أشهر رواياته، وتبدو في ظاهرها حكاية مغامرات عن كلب، لكنها تحتمل قراءات طبيعية واجتماعية وفلسفية وبيئية متعددة.
تدور الرواية حول الكلب)باك)، وهو كلب قوي يعيش حياة مرفهة. يزداد الطلب على كلاب الجر، فيُختطف باك ويُباع ليعمل في جر الزلاجات.
هناك يواجه عالمًا مختلفًا تمامًا: البرد، الجوع، الضرب، العنف، وصراع الكلاب على المكانة والقيادة. ويتعلم سريعًا أن قوانين الحياة في البرية تختلف عن قوانين الحياة المترفة التي عرفها سابقًا؛ فالبقاء يحتاج إلى القوة والذكاء والقدرة على التكيف. وتصبح مواجهته مع الكلب سبيتز نقطة تحول أساسية، إذ ينتهي الصراع بينهما بسيطرة باك.
ثم ينتقل باك بين عدة مالكين، ويشهد استغلال الإنسان للحيوانات وإرهاقها حتى الموت. وفي المقابل يلتقي جون ثورنتون، الذي يمنحه الحب والوفاء والثقة. هنا تستعيد شخصية باك شيئًا من إنسانيتها العاطفية، ويصبح أكثر ارتباطًا بصاحبه.
بعد موت ثورنتون، يتحرر باك نهائيًا من عالم البشر، وينجذب إلى الذئاب والغابة. ويستجيب في النهاية لـ (نداء البرية)، فيصبح ذئبا يقود مجموعة من الذئاب، وتتحول تجربته من كلب مستأنس إلى كائن بري يستعيد جذوره وغرائزه القديمة.
النقد الموجّه إلى (نداء البرية) ليس نقدًا واحدًا؛ بل إن الدراسات الحديثة أعادت اكتشاف تعقيدها بعد أن كانت تُعامل فترة طويلة بوصفها مجرد أدب مغامرات أو أدبًا موجهًا إلى الناشئة. وقد أشار النقد الأدبي إلى أنها تناقش أسئلة تتصل بالطبيعة، والتطور، والمجتمع، والعنف، والرأسمالية، والأخلاق.
باك يعيش في عالم تحكمه المنافسة والصراع من أجل البقاء. ولذلك تبدو الرواية متأثرة بفكرة الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح؛ فالضعيف يُستبعد، والقوي يتكيف ويستمر.
لكن هنا تظهر ملاحظة نقدية مهمة: الرواية لا تقول ببساطة إن القوة وحدها هي الفضيلة؛ فمرحلة باك مع جون ثورنتون تكشف أن الحب والوفاء والتعاون أيضًا عناصر أساسية في البقاء. ولهذا ترى دراسات أكاديمية أن الرواية تجمع بين النزعة الداروينية القاسية وبين قيم التضامن والإيثار.
في البداية يبدو باك حيوانًا متحضرًا يعيش في منزل مريح، بينما تبدو البرية مكانًا للوحشية. لكن الرواية تكشف تدريجيًا أن الإنسان المتحضر نفسه يمارس قدرًا هائلًا من العنف.
باك لا يتقدم من الوحشية إلى الحضارة، كما يحدث في كثير من قصص التطور؛ بل يحدث العكس. أي أن تطور باك روائيًا هو في الحقيقة عودة إلى الأصل.
وهنا يظهر مفهوم الارتداد أو الاستعادة: أي عودة صفات قديمة كامنة في الكائن إلى الظهور عندما تتغير البيئة. باك، في هذا المعنى، لا يصبح شيئًا جديدًا، بل يستعيد شيئًا كان موجودًا .
وهذه الفكرة تجعل عنوان الرواية بالغ الأهمية:
نداء البرية
فالبرية ليست مجرد مكان؛ إنها نداء داخلي.
الطبيعة ليست مجرد خلفية للأحداث، بل قوة فاعلة تغير الكائنات وتفرض قوانينها على الإنسان والحيوان.
والرواية تنتقد أيضًا بعض أشكال استغلال الإنسان للطبيعة والحيوان، خصوصًا في سياق اندفاع الباحثين عن الذهب وراء الربح. وقد تناولت دراسات بيئية الرواية باعتبارها نقدًا للسلوك البشري الذي يقوم على استغلال الحيوان والطبيعة وإخضاعهما للمصلحة الاقتصادية.
ليس كل ما يقف في طريقك يستحق أن تقاتله. بعض الأشياء خُلقت لتتجاوزها وتمضي.. تأمل الماء حين لا يعترض الحجرُطريقَه فإنه لا يغضب.. لا يتوقف.. ولا يدخل معه في جدال طويل.. بل يبحث عن منفذ يلتف حوله، ويواصل رحلته وكأن الحجر لم يكن.
لا يتجادل الماء مع الحجر للوقوف في طريقه؛ بل يمر ويكمل طريقه، وهذه واحدة من أعمق دروس الحياة. ستجد أشخاصا وعوائق لا تستطيع تغييرها، مهما شرحت أو قاومت،وستكتشف أن إهدار طاقتك في كل مواجهة قد يؤخرك أكثر ما يؤذي غيرك.
لا ينتصر الماء على الحجر بالقوة؛ بل بالصبر والاستمرار، ومع مرور الوقت حتى الحجر الصلد يتغير تحت تأثير الماء.
كن كالماء مرنا، دون أن تكون ضعيفا، هادئا، دون أن تستسلم. ومصرا على الوصول دون أن تجعل كلَّ عائق معركةً. فليس المهم أن تزيل كل حجر في طريقك، لكن المهم ألا تسمح لحجر واحد أن يوقفك عن السير.
وعن تحول الكلب إلى طبائع الذئاب؛ ففي عالم الطبيعة لا يكون الذئب كائنا اجتماعيابطبعه، لا يعيش على حسن النوايا ، ولا ينجو بحسن الظن وحده؛ بل يراقب.. يفهم.. يناور.. ويعرف متى يظهر أنيابه ومتى يخفيها.
في عالم تحكمه المصالح وتُختبر فيه النفوسُ بعضها بعضا لا يكفي أن تكون طيبا. عليك أن تفهم البشر كما هم لا كما تتمنى أن يكونوا.
نتعلم من الذئب دروسا في قراءة النفوس وإدارة المواقف، وحماية نفسك أن تكون فريسة للآخرين.
يعيش الذئب ضمن قطيع؛ لكن عندما تضيق الموارد أو يختل توازن المجموعة، يتخذ الذئب القرار الأكثر جرأة في حياته، أن يغادر القطيع ويمشي بمفرده، ليصنع مقدراته بنفسه، يواجه البرد والضباب ويتحمل الجوع ليجد إقليما جديدا ويبني إمبراطوريته الخاصة من الصفر.
فعند الذئب تجد العزلة المؤقتة ليست دليلا على الضعف؛ بل هي أقصى مراحل القوة والتجديد. الذئب يعرف متى يبتعد ليعيد اكتشاف منطقة نفوذه.
وعند الإنسان يخشى الكثيرون تجربة البداية من جديد، أو الخروج من قطيع الروتين والمألوف، ويظنون أن الابتعاد عن السائد يعني الفشل. لكن الإنسان الملهم كالذئب المنفرد. هو من يملك الشجاعة ليقف وحده لفترة.. ليصنع مساره المستقل بعيدا عن المألوف.


