الناقد أحمد فرحات يكتب: الكامل الجديد
تساءل الشاعر المصري أحمد قنديل : هذا النص للشاعر: (الأخطل الصغير( رُدّي عَلَيَّ كَرىً غَفا . ….. وتَأَوَّدي بَينَ الرِّحاب
كُنّا الحِكاياتِ الطِوالَ تَهَلَّلَت … سَكرى عَلى شَفَتَي رَباب
هِيَ قِصَّةٌ هَرَبَت مِنَ الـ ….. ـدُنيا وَنامَت في كِتاب
ألاحظ أن الشاعر كتب قصيدتة على بحر الكامل وجاءت أبياته على مجزوء الكامل (أربع تفعيلات ) في كل بيت ,,,, إلا في بيته الثاني الذي يقول فيه .. كُنّا الحِكاياتِ الطِوالَ تَهَلَّلَت … سَكرى عَلى شَفَتَي رَباب (خمس تفعيلات ) فهل يجوز ذلك عروضيا في قصيدة عمودية ؟؟
وجاءت إجابتي له وللقراء الأعزاء : استخدم الشاعر السعودي عبد السلام هاشم حافظ البحر الكامل بدرجة أعلى من غيره من البحور بنسبة 37,46 ٪ تقريباً، و ” هو بحر مترع بالغنائية لتماثل تفعيلاته الست المتمثلة في [ مُتَفَاْعِلُنْ ] وحين تتحول إلى تسكين الثاني لا تنقص الغنائية بل تزيد. ” و هو: ” يصلح لأكثر الموضوعات “، وهو بذلك يعتبر “ أكثر بحور الشعر جلجلة وحركات.. وهو بحر كأنما خلق للتغني المحض سواء أأريد به جد أم هزل، ودندنة تفعيلاته من النوع الجهير الواضح الذي يهجم على السامع مع المعنى والعواطف والصور حتى لا يمكن فصله عنها بحالٍ من الأحوال ” وقد حمّل الشاعر بحر الكامل أكثر أغراضه، الموضوعات العاطفية، والقضايا العامة، والبوح الذاتي، وغيرها من الموضوعات؛ وذلك لأن ” الكامل وزن يجتمع فيه ثلاثون حركة ولا تجتمع في غيره من الأوزان، وعدده إذا سلم من الزحاف والعلل اثنان وأربعون حرفا “و جاء في كتاب ” العمدة ” أن الخليل سمّى الكامل بهذا الاسم؛ ” لأن فيه ثلاثين حركة لم تجتمع في غيره من الشعر “وشاع هذا الوزن في كثير من شعرنا العربي وهذا ما جعل د. سيد البحراوي يقول عنه: ” أما شيوعه فقد كان رابع بحر عند الجاهليين وارتفع عند الأمويين والعباسيين إلى المرتبة الثانية ثم الأولى واستمر هكذا في العصر الحديث “.
والحقيقة أن هذه ظاهرة تحتاج إلى الوقوف أمامها مليا؛ إذ إن الأصل في هذا البحر أن يتكون البيت من ست تفعيلات، ثلاث في شطر، ومثلها في الشطر الثاني، ولم يرد عن العرب أنهم استخدموا أكثر من ذلك في البيت من بحر الكامل غير أن شاعرنا كان يستخدم البيت من سبع تفعيلات، أربع تفعيلات في شطر، وثلاث في الشطر الثاني كأن يقول:
لو حَدَّثوني عنكِ يا حُلْمَ الفؤادِ السَّاهرِ
وترنموا ببهائكِ الحلو الخضيرْ
وأحيانا يستخدم الشاعر بحر الكامل في البيت تاماً ومجزوءاً، ثلاث تفاعيل في الشطر الأول، واثنتين في الشطر الثاني. هكذا:
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
متفاعلن متفاعلن
كقوله في القصيدة السابعة عشرة من ديوان ” عودة الفيضان “:
فإذَا عَبَرْتِ طَرِيقَنَا لا تبــخَلي
بالنَّظْـــــرَةِ المتسَـــــامحَهْ
غير أن الشاعر – في نفس القصيدة – يستخدم بحر الكامل مكونا من أربع تفعيلات في الشطر الواحد، وأربع تفعيلات في الشطر الثاني، مستخدما التصريع في كل منهما، في بيتين اثنين من المقطع الأول والثاني، وفي المقطع الثالث يستخدم مجزوء الكامل مكونا من أربع تفعيلات.
وهذا التنوع اللافت في القصيدة من استخدام البحر تاما في شطر، ومجزوءا في الشطر الثاني، وزائدا تفعيلة في بيتين، ومجزوءا آخر عشرة أبيات، ليس له مبرر فني، فالمعنى الذي يبرزه الشاعر هو وصف محبوبته ” أحلام ” تلك الجميلة، ذات العينين النجلاوين، الساحرتين، وذات الثغر الوردي، يناشدها الشاعر ألا تبخل عليه بالنظرة المتسامحة، فالحب أن يظلا معا في انتشاء وسعادة.
ففي المقطع الأول تتردد هذه المعاني، وتتكرر في المقطع الثاني والثالث دون تغيير، وبالتالي فلا داعي لتغيير الوزن والإيقاع في الأبيات من الكامل التام إلى مجزوئه، وزيادة تفعيلة في بعضه الآخر.(فالإيقاع حركة المعنى)، وطالما أن حركية المعنى لا تتغير في القصيدة، فلا داعي – إذن – لتغير الإيقاع !
وفي قصيدة ” قالت: من أنت ؟ ” و قصيدة ” ملائكية” يستخدم الشاعر بحر الكامل من خمس تفعيلات – على غير عادة العرب – مكتوبة كلها على شكل بيت واحد دون أشطر.
ففي قصيدة ” نهضتنا الحديثة” يقول:
أَرَأيتَ دُنْيا النورِ والعِرْفَانِ فـي البلـدِ المشعشِعِ بالحيـاهْ
لاحتْ به أمجـــادُ أبطــالٍ أعادُوا المنشآتِ إلى الفلاهْ
وهذه القصيدة سبعة عشر بيتاً، مقسمة إلى مقطعين اثنين، وفي نهاية كل مقطع نجد زيادة تفعيلة، كملمح من ملامح التجديد عند الشاعر. والتفعيلة الزائدة في المقطع الأول هي: (ندعو الإله). والتفعيلة الزائدة في المقطع الثاني هي: (حلو الورود).وتأتيان بعد تمام البيت، المكوّن من خمس تفعيلات متتابعة.
وإذا كان علماء العروض يقولون: ” متى كان هذا المقياس (متفاعل) التزم على هذه الصورة في كل أبيات القصيدة الواحدة ولا يصح العدول عنه إلى غيره من الصور، وكذلك إذا كان (متْفا) التزم هذا أيضا في كل أبيات القصيدة ” فإن الشاعر في استخدامه لبحر الكامل لم يلتزم هذا النهج؛ بل كان يكتب القصيدة على شكل خماسية، الشطر الأول منها به حذذ وهو حذف نصف التفعيلة الأخيرة. فتصير التفعيلة هكذا (/ه/ه). بينما الشطر الثاني به تذييل وهو إضافة حرف ساكن إلى التفعيلة فتصـير هكذا (متفاعلانْ). والشطر الثالث كالأول. والشطر الرابع كالثاني. أما الشطر الأخير يأخذ شكل التفعيلة الكاملة الصحيحة (متفاعلن) وهكذا دواليك ! ومثال ذلك قصيدة ” ذكرى معركة رمضان “:
هــذا أذانُ الفجـــرِ قَدْ كــبَّرْ
والليلُ مادَ وأشرقَ الوجهُ الجديدْ
مِنْ بيــن قُمْـقُمِهِ صــحـا يَثْــأَرْ
شَعْبٌ أرادَ الـنورَ للوطنِ السعيدْ
ويُبيدُ أكْفَـانَ الظَّلامِ السَّائــدهْ
وتستمر القصيدة على هذا الشكل ستة مقاطع متصلة، بيد أنه في المقطعين الأخيرين يكتفي بأربعة أشطر فقط، في المقطع الخامس، وستة أشطر في المقطع الأخير. دون سبب واضح؛ اللهم إلا ولعه بالتجديد في الشكل.
ويزيد الشاعر وينقص في عدد تفعيلات البحر الكامل في البيت الواحد، فنراه يكتب القصيدة على هيئة أبيات شعرية دون أشطر، يلتزم فيها عددا معينا من التفعيلات (خمس تفعيلات) في البيت، ثم يزيد تفعيلة في أبيات أخرى ليصبح عدد تفعيلات البيت ست تفعيلات في البيت الواحد، داخل القصيدة الواحدة ونجد ذلك – مثلا – في قصيدة: ” الشاعر ” من ديوان ” أنوار ذهبية “:
وغدا سيمضي زاكيَ الأنفاسِ
يسْبقُهُ الترنمُ بالأملْ
ثم يقول في نفس القصيدة:
تركَ المآثرَ تزدهي بين السطورِ..
من الفنونِ.. على الشِّفاهِ النَّادِيهْ
فالبيت الأول مكون من خمس تفعيلات متتابعة، والبيت الثاني مكون من ست تفعيلات متتابعة أيضا، أي أن شاعرنا كان يستخدم نظام التدوير.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن البحر الكامل يمتلك قدرة على الإيحاء بالجوانب الغامضة والعميقة في تجربة الشاعر وذلك لأن ” إيقاع بحر الكامل يشتمل على لون من البطء والأناة نتيجة لطول وحدة الإيقاع فيه. نظراً لاشتمالها على صوتين ساكنين على الأقل من الممكن مقابتلهما بحركات طويلة. وفي إمكان الشاعر إبراز هذا البطء، وهذه الأناة عن طريق الإكثار من الحركات الطويلة؛ حيث تتفاوت المسافات الزمنية التي تستغرقها الحركة الطويلة (حركة المد) تبعا لطريقة الإلقاء ومحاكاتها للمضمون النفسي. على حين أن الحركات القصيرة والأصوات الساكنة ليس هناك مجال للتفاوت الملموس بينها من حيث المسافة الزمنية التي تستغرقها الحركة القصيرة أو الساكن. ومن ثم فإن الإكثار من الحركات الطويلة في قصائد الكامل يساعد على خلخلة تلك ” السيمترية ” التي تطغى على الوزن. كما تعين على إبطاء الإيقاع بحيث يتسع للمضامين التي تحتاج إلى لون من البطء في الإيقاع، كالمضامين الفكرية والاجتماعية التي تحتاج إلى لون من التأمل المتأني. في نفس الوقت الذي يتسع فيه للمضامين التي تحتاج إلى إيقاع فخم مجلجل.




