أميمة سالم تكتب: الكيان والهوية
ماذا ينبغي أن يكون عليه الإنسان من حيث كونه كيانًا عاقلًا؟ وما الذي تفرضه عليه إنسانيته بوصفه مكلَّفًا بالأخلاق، ومسؤولًا عن أفعاله واختياراته؟ هل الأخلاق مجرد مجموعة من القواعد العملية التي تُطبَّق في الحياة اليومية، أم أنها علم معياري يبحث في طبيعة السلوك الإنساني، ويسعى إلى فهم المثل العليا التي ينبغي للإنسان أن يتحلى بها؟
وهل توجد حقائق أخلاقية ثابتة وموضوعية، أم أن الأخلاق نسبية تتغير باختلاف الأزمنة والأماكن والثقافات؟ وهل الفرق بين الخير والشر حقيقة مستقلة عن إرادة الإنسان، أم أن القيم الأخلاقية في ذاتها قوة تدفع الإنسان إلى الالتزام بها، فيصبح معيار الأخلاق مرتبطًا بجوهر السلوك لا بمظاهره؟
إن الفلسفة الأخلاقية تهدف في جوهرها إلى بناء هوية إنسانية خيِّرة، وتُلزم الإنسان بالسعي لتحقيق تلك الهوية من خلال ممارسة الفضائل، والقيام بالواجبات العقلية والشرعية التي تقربه من الطاعات، وتبعده عن الرذائل والمعاصي.
ولا يمكن أن تقوم الأخلاق الحقة دون معرفة الله؛ فمعرفته هي أول الواجبات الأخلاقية على الإنسان، ومنها ينطلق معنى الشكر، والالتزام بشرعه، والخضوع لمنهجه القويم الذي يهدي الإنسان إلى سواء السبيل.
كما أن حرية الإنسان لا تستند إلى مجرد الرغبات أو المعتقدات، وإنما تقوم على منهج عقلي وأخلاقي منضبط. فالعقائد تتعلق بحقائق الوجود، أما الأخلاق فتتعلق بكيفية التعامل مع تلك الحقائق في الواقع. وليست المسلمات كلها عقائد نظرية، كما أن العقليات ليست أحكامًا مطلقة، بل أدوات للفهم والاجتهاد في إطار القيم الإنسانية السامية.
ومن هنا تلتقي الميتافيزيقا بالأخلاق؛ حيث يمتزج التفكير في الوجود بالتفكير في الواجب، ويصبح الإنسان مطالبًا بأن يسمو بأفعاله، لا أن يقف عند حدود المنفعة الشخصية الضيقة.
فالموقف الأخلاقي الحقيقي يقتضي المضي قدمًا في تحقيق الخير، وأن يكون الإنسان محسنًا متفضلًا، لا ينتظر المقابل، ولا يجعل أفعاله رهينة للمصلحة أو المنفعة، بل يسعى إلى الارتقاء بنفسه وبمجتمعه.
إنها فلسفة أخلاقية تجمع بين الواقعية والمثالية، فلا تنكر احتياجات الإنسان، لكنها ترتقي بها، وتوجهها نحو الخير والفضيلة، لتبقى الأخلاق هي البوصلة التي تحفظ الكيان، وتصنع الهوية، وتمنح الإنسان قيمته الحقيقية.
اقرأ ايضا:



