يحيى العلمي.. المخرج الذي صنع ذاكرة الدراما المصرية بين الجاسوسية والتاريخ والإنسان
في الخامس من يوليو من كل عام، تتجدد ذكرى ميلاد المخرج الكبير يحيى العلمي، أحد أبرز صناع الدراما والسينما في مصر، وصاحب البصمة التي لا تزال حاضرة في وجدان المشاهد العربي من خلال أعمال تحولت إلى علامات فنية خالدة، وفي مقدمتها «رأفت الهجان» و«دموع في عيون وقحة» و«هو وهي» و«الأيام»، لم يكن العلمي مجرد مخرج يملك أدوات المهنة، بل كان صاحب مشروع فني جمع بين الوعي الوطني والرؤية الإنسانية، حتى أصبح أحد أهم من أسسوا العصر الذهبي للدراما التلفزيونية المصرية.
نشأة يحيى العلمي
ولد محمد يحيى العلمي عبدالرؤوف العلمي في 5 يوليو 1941 بمدينة الزقازيق. ورغم حصوله على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1962، فإن شغفه بالفن دفعه إلى دراسة الإخراج التلفزيوني في ألمانيا وبريطانيا، قبل أن يحصل على دبلوم التلفزيون من لندن عام 1971، وهي الدراسة التي أسهمت في تشكيل أسلوبه البصري المختلف، القائم على المزج بين المدرسة الأوروبية والروح المصرية.
بدأ العلمي رحلته المهنية مع التلفزيون المصري مطلع السبعينيات، وكان أول أعماله مسلسل «أشجان»، ثم لفت الأنظار بمسلسل «العنكبوت» المأخوذ عن قصة للدكتور مصطفى محمود. وقد فتح نجاحه المبكر الباب أمام انتقاله إلى السينما، حيث قدم فيلم «المرأة التي غلبت الشيطان»، الذي شارك الأديب الكبير توفيق الحكيم في كتابة معالجته الدرامية، ليعلن ميلاد مخرج يمتلك حسًا دراميًا مختلفًا عن أبناء جيله.
ورغم إخراجه ما يقرب من ثلاثين فيلمًا سينمائيًا، من بينها «خائفة من شيء ما» و«طائر الليل الحزين»و«تزوير في أوراق رسمية» و«الحب أيضًا يموت» و«حكاية تو»، فإن شهرته الأكبر جاءت من الشاشة الصغيرة، حيث وجد المساحة الأوسع للتعبير عن رؤيته الفنية. فقد كان يرى أن التلفزيون ليس وسيطًا أقل قيمة من السينما، بل وسيلة قادرة على الوصول إلى ملايين المشاهدين وصناعة الوعي الجمعي.
وجاء التحول الأهم في مسيرته مع الكاتب صالح مرسي، إذ شكلا معًا واحدًا من أنجح الثنائيات في تاريخ الدراما المصرية. بدأ التعاون بمسلسل «دموع في عيون وقحة» الذي تناول قصة البطل المصري جمعة الشوان، ثم تُوج النجاح بالملحمة الشهيرة «رأفت الهجان»، التي جسد فيها الفنان محمود عبدالعزيز شخصية رفعت الجمال، ولم يكن نجاح العمل قائمًا على الحكاية وحدها، بل على رؤية إخراجية استطاعت تحويل ملفات المخابرات إلى دراما إنسانية مشوقة، وهو ما جعل المسلسل يحتفظ بمكانته حتى اليوم. وقد نقلت بوابة الأهرام عن صالح مرسي قوله إن يحيى العلمي «لم يخرج رأفت الهجان فقط، بل أعاد تعريف البطولة في نظر أجيال كاملة من المصريين».
ولم يحصر العلمي نفسه في الدراما الوطنية، بل أثبت قدرته على التنقل بين الأنواع المختلفة، ففي مسلسل «هو وهي» قدم معالجة اجتماعية عميقة للعلاقة بين الرجل والمرأة من خلال حلقات منفصلة جمعت بين سعاد حسني وأحمد زكي، بينما نقل في مسلسل «الأيام» السيرة الذاتية لعميد الأدب العربي طه حسين إلى الشاشة بلغة بصرية رفيعة، جعلت العمل واحدًا من أهم السير الذاتية في تاريخ التلفزيون المصري. كما أخرج أعمالًا بارزة مثل «الزيني بركات» و«دموع صاحبة الجلالة» و«نصف ربيع الآخر»، مؤكداً أن المخرج الحقيقي هو من ينجح في كل الألوان الدرامية.
إلى جانب عمله الإبداعي، تولى يحيى العلمي مناصب تنفيذية مهمة، كان أبرزها رئاسة قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتلفزيون، ثم رئاسة الإنتاج الدرامي بمدينة الإنتاج الإعلامي. وخلال فترة رئاسته لقطاع الإنتاج، دعم إنتاج عدد كبير من الأفلام والمسلسلات، وساهم في منح الفرصة لمخرجين ومبدعين شباب، كما عمل أستاذًا غير متفرغ في معهد السينما ومعهد الفنون المسرحية، مؤمنًا بأن نقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة لا يقل أهمية عن صناعة الأعمال الفنية نفسها.
وعلى المستوى الشخصي، تزوج من الفنانة تهاني راشد، إلا أن تعاونهما الفني كان محدودًا للغاية، إذ حرص على الفصل بين حياته الخاصة وعمله. وقد كشفت ابنته شيرين العلمي في لقاء تلفزيوني أن والدها لم يسند إلى والدتها أدوارًا في أعماله إلا مرة واحدة، عندما رأى أنها الأنسب لتجسيد شخصية «سيرينا أهاروني» في مسلسل «رأفت الهجان»، معتبرًا أن اختياره كان فنيًا بحتًا وليس بدافع العلاقة الأسرية.
في أواخر حياته، تعرض العلمي لمعاناة قاسية مع فيروس الالتهاب الكبدي (سي). وصدر قرار بعلاجه على نفقة الدولة، إلا أن حالته الصحية لم تسمح بسفره، حتى رحل في 19 يناير 2002 عن عمر ناهز الستين عامًا، بعد أشهر من الصراع مع المرض. وبرحيله، فقدت الدراما المصرية واحدًا من أهم مخرجيها، لكن أعماله بقيت شاهدة على موهبة استثنائية استطاعت أن تجعل من التلفزيون فنًا خالدًا لا مجرد وسيلة للترفيه.
لقد كان يحيى العلمي من المخرجين الذين آمنوا بأن الصورة يمكن أن تكتب التاريخ بقدر ما تكتبه الكتب، وأن الدراما الوطنية ليست شعارات، بل حكايات إنسانية صادقة. ولهذا، لا تزال أعماله تُعرض حتى اليوم، ويعود إليها المشاهدون بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية، وإرثًا فنيًا يؤكد أن المبدعين الحقيقيين لا يرحلون، بل يواصلون الحياة في أعمالهم.




