السعيد نجم لـ«صوت الأهلية»: أم كلثوم «رائحة الوطن».. والقطار كان نافذتنا الوحيدة على العالم
حوار: حسين عبد العزيز
«كتاباتي تنبع من داخلي وقد شطرت حياتي إلى شطرين»
«كان الصدام الحضاري حتميًا، حادًا وقاسيًا»
«القطار الفرنسي كان النافذة الوحيدة لقريتنا على العالم»
«أعتبر رواية إعدام قطار واحدة من أهم محطاتي الأدبية»
«أم كلثوم صنعت الجزء الأكبر من وجداننا»
«أم كلثوم معنا حيث نرحل.. إنها رائحة الوطن»
«لا يغترب الإنسان بلا وجدان»
«أم كلثوم مكون من مكونات الشخصية المصرية الأصيلة»
«الأطلال تتحدث عن نفسها.. والجعبة مليئة وقد هاجت الذكريات»
لم تكن البداية حوارًا مرتبًا على صفحات مجلة أو موعدًا صحفيًا محددًا، وإنما بدأت من لحظة عابرة أمام بائع جرائد في مدينة المنصورة، صباح أحد أيام عام 1993، عندما ذهب الكاتب والروائي لشراء العدد الأول من جريدة «الدستور»، ليكتشف أن النسخ قد نفدت سريعًا.
وبينما كان يتصفح عناوين الكتب والمجلات المعروضة أمام أحد أكبر موزعي الصحف في المنصورة، استوقفه عنوان رواية تحمل اسم «صالون في برلين»، للروائي السعيد نجم، مع الإشارة إلى أن مؤلفها ينتمي إلى المنصورة.
امتدت اليد إلى الرواية، وبدأت القراءة، لتتحول المصادفة بعد سنوات إلى مدخل لحوار يستعيد فيه السعيد نجم محطات من تجربته الأدبية والإنسانية؛ من القرية إلى الغربة، ومن «صالون في برلين» إلى «إعدام قطار»، ومن الذاكرة المحلية إلى الوجدان العربي الذي احتلته أم كلثوم بصوتها وشعرها وألحان أغنياتها.
وفي هذا الحوار الذي يعيد موقع «صوت الأهلية» نشره، يتحدث السعيد نجم عن ثنائية القرية والغربة في كتاباته، وكواليس بعض أعماله، وموقع تلبانة في خريطة الثقافة الدقهلية، كما يتوقف طويلًا أمام علاقته الوجدانية بأم كلثوم، وكيف تحولت أغنياتها بالنسبة إليه إلى جسر دائم يصل المغترب بوطنه.
-لاحظت هذه الثنائية في كتاباتك، فكلما كتبت عن القرية أتبعتها بالكتابة عن الغربة، وكلما كتبت عن الغربة أتبعتها بالكتابة عن القرية.. فهل هذا مقصود؟
كتاباتي تنبع من داخلي. لقد شطرت حياتي إلى شطرين، ليسا بالضرورة متساويين، وبما أن الكتابة تعبير عما بداخلي، وداخلي يتنازع فيه الشطران، فتخرج الكتابة دون قصد مني بالشكل الذي خرجت به، وهو الشكل الذي يدهشني أنا أيضًا.
فإذا كتبت عن القرية تبعت ذلك الكتابة عن الغربة، وإذا كتبت عن الغربة عادت القرية إلى الكتابة من جديد.
– صادفت روايتك «صالون في برلين» عند بائع جرائد.. ما الذي أوحى إليك بكتابتها؟
كنت في ذروة الشباب، في أوائل العشرينيات من عمري، ومع صخب تلك المرحلة العمرية جاء الصدام الحضاري العنيف، كنت شابًا ممتلئًا تمامًا بثقافته الشرقية، بعاداتها وأعرافها وتقاليدها، واثقًا بدينه، عاشقًا لثقافته ومتحمسًا لها، ثم اصطدمت بالحضارة الأوروبية في واحدة من أعظم ديارها، ألمانيا، وفي مدينة يعرف التاريخ والحاضر مكانتها، برلين، كان الصدام الحضاري حتميًا، حادًا وقاسيًا، ومن الطبيعي أن تبلغ ذروته في الأعوام الأولى.
هذه الرواية أمْلت نفسها عليّ، وكأنني أسمعها من شخص آخر. فرضت نفسها حتى ظهرت إلى الوجود، وهي تحمل تجربة عامين كاملين من الأحداث المحتدمة والعميقة والقاسية والمتلاحقة، كموج بحر هائج، وأدعي أن من يقرأ «صالون في برلين» كأنه عاش تجربتي الأثرية هذه كاملة.
-وأنت تكتب «صالون في برلين»، هل كان هناك نموذج أدبي معين أمام عينيك؟
قلت لك إنني كنت أكتبها وكأنها تملي عليّ، ولذلك ظهرت على صورتها هذه، دون تخطيط أو تأثر برواية في الموضوع نفسه، بالطبع كنت قد قرأت «موسم الهجرة إلى الشمال»، كما قرأت تجربة الطهطاوي الباريسية، لكن لا تأثير لهاتين الروايتين أو غيرهما على «صالون في برلين».
-أول أديب عرفته من تلبانة هو الراحل روميش، وبعد ذلك علمت أن القرية ثرية بأدبائها وشعرائها.. حدثنا عن تلبانة الثقافية.
تلبانة ليست قرية صغيرة أو حديثة، فهي إن لم تكن أكبر قرية دقهلية، فهي من أكبر قرى المحافظة، وتاريخها يمتد إلى الفراعنة.
وعدد سكان قريتنا ربما يتجاوز عدد سكان مدينة متوسطة الحجم في أوروبا، فكيف لهذا التجمع الحضاري ألا يكون ثريًا؟
أليس فيها الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، جاحظ العصر، الذي له أكثر من مئة مؤلف، بالإضافة إلى تفسير للقرآن الكريم؟ ومن مجايليه شاعر خفاجي كبير، وبالإضافة إلى الأديب محمد روميش، فإن القرية تضم عددًا من الأدباء والشعراء يصعب حصرهم، ولا يستطيع القيام بهذا الحصر فرد واحد، ودعنا من فخ ذكر الأسماء.
-رواية «إعدام قطار» أعجب بها النقاد وأشاد بها الدكتور محمود إسماعيل في دراسة مطولة.. فما سرها؟
«إعدام قطار» فرضت نفسها تمامًا كما فرضت «صالون في برلين» نفسها، نشأ جيلنا، كما نشأت الأجيال السابقة عليه، والقطار الفرنسي كان النافذة الوحيدة لقريتنا على العالم، إذا تعطل القطار لسبب من الأسباب، كالمطر الشديد، أصبحت قريتنا جزيرة منعزلة عن الدنيا بأسرها، ولا أبالغ إن قلت إن لهذا القطار أكبر الأثر في حياة جيلنا والأجيال السابقة عليه.
لقد كوّن هذا القطار مجتمعات خاصة جدًا، لها أعرافها وقوانينها الصارمة والخاصة، حتى إن بعض الأفراد كانت لهم شخصية داخل القطار تختلف تمامًا عن شخصياتهم خارجه، فكان من الواجب عليّ، كأديب راصد، أن أكتب هذه الرواية، التي أعتبرها واحدة من أهم محطاتي الأدبية.
-ماذا تعني أم كلثوم لك كأديب؟
من نافلة القول إن أم كلثوم صنعت الجزء الأكبر من وجداننا، في طفولتي كانت تطير بي أغنياتها، متحدية جاذبية الأرض، فأحلق معها في آفاق مخملية يذيبني خدرها. وظلت جملها تتردد تلقائيًا بداخلي، فتحتلني احتلالًا كاستعمار استيطاني.
ولم يحررني من هذا الاحتلال إلا صوت عبد الحليم حافظ، عبد الحليم الذي ظهر مع الثورة، حاملًا شعلتها المتوهجة، عبّر عن مكنوناتنا أصدق تعبير. وعلى المستوى الشخصي، عندما أسمع عبد الحليم في أي أغنية من أغانيه، أشعر وكأنني أنا الذي كتبت الكلمات ولحنتها ثم غنيتها، فأجاد وأقنع، وأن تجربة الأغنية تجربة ذاتية.
لقد نقل عبد الحليم الأغنية العربية نقلة ثورية، من التطريب وعلك الحروف ومطها إلى التعبير، ورغم سطوة عبد الحليم حافظ الجبارة، فإن أم كلثوم لها مساحتها العظيمة في وجداني، وهي مساحة لا يمكن أن تخسرها.
والشعر الذي تغنيه أم كلثوم، سواء كان فصيحًا أو عاميًا، يشكل ثروة أدبية عالية القيمة، تزينها الألحان الرصينة وتضيف إليها من الجمال والجلال ما لا يمكن وصفه، فيرسخ في الوجدان رسوخ الجبال، ويمكن القول إن من يهضم الشعر الذي تغنت به أم كلثوم، تصبح لديه خلفية ثقافية كأرض ثابتة لقرض الشعر.
كيف تتعامل مع أم كلثوم، أو كيف تنظر إليها في الغربة، بحكم أنك أديب ومن أبناء منطقتها الجغرافية، ومن المحتمل أن تكون قد غنت في بداياتها بأحد أفراح أثرياء قريتكم؟
لا يغترب الإنسان بلا وجدان، ولذلك فأم كلثوم معنا حيث نرحل، لقد شكلت ربما الجزء الأكبر من وجداننا. إنها رائحة الوطن، رائحة تشدك شَدًا إلى أرض الميلاد، لا توجد أغنية لأم كلثوم لا ترتبط بذكرى من ذكرياتنا. أغانيها مؤرخ أمين لذكرياتنا على تنوعها وثرائها.
وبالطبع من دواعي الفخر أنني أنتمي إلى منطقة أم كلثوم الجغرافية، فكيف لا أفخر بأي صلة تربطني بالهرم المصري الرابع؟
وفي بدايات اغترابي كانت شرائط الكاسيت هي المصدر الوحيد لسماع أم كلثوم، وبطبيعة الحال كنت حريصًا أشد الحرص على اقتناء كل ما يمكنني الحصول عليه من كنوز تسجيلاتها الغنائية.
-هل كتبت عن أم كلثوم أو أشرت إليها في أحد أعمالك؟
لم أكتب عملًا خاصًا عن أم كلثوم، لكن كيف لا أشير إليها في أعمالي حينما تظهر شخصية الكاتب على الورق من خلف السطور، من الطبيعي أن يشار إلى سيدة الغناء العربي، فأم كلثوم مكون من مكونات الشخصية المصرية الأصيلة.
إذن لماذا لم تكتب عملًا إبداعيًا بطلته أم كلثوم، بحكم أشياء كثيرة، منها قرب قريتك الشديد من قريتها؟
لا تستهويـني الكتابة التسجيلية، وللأسف الشديد، لم تكن قرية طماي الزهايرة، قرية أم كلثوم، من القرى التي يربطها القطار بقريتنا.
علاقتي بأم كلثوم هي علاقة مستمع متيم بمطربة عبقرية، مستمع لا يملك مادة غير الأغاني المتجذرة في وجداننا للكتابة عنها، وهذا بالطبع لا يكفي لبناء عمل روائي.
– والآن، هل يمكن أن تحدثنا عن إحدى قصائد أم كلثوم التي كنتم تهيمون بها في الغربة؟
«الأطلال» تتحدث عن نفسها.. «قصة الأمس»، وما أدراك ما قصة الأمس.. «ألف آه من ثورة الشك».. «أراك عصي الدمع» العبقرية.. «إلى عرفات الله» وفيض نورها.. «الثلاثية المقدسة» وإشعاعاتها، «هذه ليلتي» أجمل ما لحن عبد الوهاب للسيدة الكبيرة، و«مصر تتحدث عن نفسها» للسنباطي، أكبر وأعظم منهم الصوت المعجزة لأم كلثوم، ومن تلحينه أيضًا «ولد الهدى».
ثم «رباعيات الخيام».. الجعبة مليئة، وقد هاجت الذكريات، القرية والغربة.. وطنان داخل كاتب واحد.
– نعود إلى الثنائية التي لاحظتها في كتاباتك؛ كلما كتبت عن القرية أتبعتها بالغربة، وكلما كتبت عن الغربة أتبعتها بالقرية.. هل هذا مقصود؟
كتاباتي تنبع من داخلي. لقد شطرت حياتي إلى شطرين ليسا بالضرورة متساويين، وبما أن الكتابة تعبير عما بداخلي، وداخلي يتنازع الشطرين، فتخرج الكتابة دون قصد مني بالشكل الذي خرجت به، وهو الشكل الذي يدهشني أنا أيضًا، فإذا كتبت عن القرية تبع ذلك الكتابة عن الغربة.
في نهاية هذا الحوار، تبدو تجربة السعيد نجم وكأنها رحلة بين مكانين لا ينفصل أحدهما عن الآخر: قرية تسكن الذاكرة، وغربة تعيد اكتشاف معنى الوطن.
ففي «صالون في برلين» كان الصدام الحضاري مدخلًا إلى تجربة إنسانية عميقة، وفي «إعدام قطار» تحول القطار من وسيلة انتقال إلى عالم كامل له مجتمعاته وقوانينه وشخصياته.
أما أم كلثوم، فكانت في حديثه أكثر من مطربة؛ كانت ذاكرة ووجدانًا ورائحة وطن، وصوتًا يستطيع المغترب من خلاله أن يستعيد شوارع طفولته وملامح قريته ودفء المكان الذي تركه خلفه.
ولعل أجمل ما يكشفه الحوار أن الكتابة عند السعيد نجم لم تكن مشروعًا هندسيًا محكمًا بقدر ما كانت استجابة لما يعتمل في الداخل؛ فالقرية والغربة، الوطن والابتعاد، الذاكرة والحاضر، كلها ثنائيات ظلت تتصارع داخله، لتتحول في النهاية إلى أدب.
وهكذا يصبح الكاتب، في تجربته، مسافرًا دائمًا بين عالمين؛ كلما ابتعد عن القرية أعادته الكتابة إليها، وكلما ظن أنه غادرها وجدها تنتظره في الصفحة التالية.

اقرأ ايضا:
عبدالله الحواج: البحرين قادرة على أن تصبح مركزًا إقليميًا للتعليم الأكاديمي المتميز ( حوار)




