رشا الخطيب: قصيدة النثر الأقرب لوجدان الإنسان.. والليل طقس الإبداع الأول ( حوار)

حاورها: حسين عبد العزيز

تحظى قصيدة النثر بمكانة متزايدة في المشهد الشعري العربي، بعدما أصبحت مساحة رحبة للتعبير عن المشاعر والأفكار بعيدًا عن القيود التقليدية للوزن والقافية. وفي هذا الحوار، تفتح الشاعرة رشا الخطيب أبواب تجربتها الإبداعية، متحدثة عن رحلتها مع الشعر، وأسباب استقرارها على قصيدة النثر، ورؤيتها لمستقبل الحركة الشعرية، إلى جانب تجربتها في الكتابة السردية وعلاقتها بعالم الآثار والثقافة.

وكان هذا الحوار  الذي أجرته مجلة صوت الأهلية مناسبة للغوص في عالم شاعرة جمعت بين الحس الإبداعي والبحث الأكاديمي، وقدمت رؤيتها للشعر باعتباره رسالة إنسانية تتجاوز الشكل إلى عمق الفكرة وجمال اللغة.

 لماذا اخترتِ قصيدة النثر لتقديم نفسك إلى جمهور الشعر؟

أشكر حضرتك كثيرًا على هذا اللقاء، وعلى إتاحة هذه الفرصة للحديث عن الثقافة والشعر، في الحقيقة، بدأت رحلتي بكتابة جميع أشكال الشعر، بداية من الشعر العمودي، ثم شعر التفعيلة، حتى استقر بي المقام عند قصيدة النثر، لأنها أصبحت الأقرب إلى طريقتي في التعبير عن القضايا التي تشغلني وتلح عليّ.

وأرى أن هذا التطور طبيعي، ويتماشى مع حركة الشعر الحديثة، فقصيدة النثر تمتلك مساحة أوسع لاستيعاب مشاعر الإنسان ووجدانه، وتعكس تفاصيل الحياة اليومية بكل متغيراتها، بعيدًا عن الالتزام الصارم بالوزن والقافية.

أقول دائمًا إنها تشبه “قماشة واسعة” يستطيع الشاعر أن يشكلها كما يشاء، مع الحفاظ على موسيقاها الداخلية، التي تعتمد على تكرار الألفاظ، وسلاسة الانتقال بين الأفكار، والتكثيف في الصورة والمعنى.

ومن وجهة نظري، فإن قصيدة النثر ليست قطيعة مع الشعر العمودي، بل هي امتداد طبيعي له، ولكل شكل شعري جماله وجمهوره وظروفه الخاصة.

 متى بدأت علاقتك بالشعر؟ ومتى شعرتِ أنك شاعرة؟

بدأت علاقتي بالشعر وأنا في الصف الخامس الابتدائي، وربما قبل ذلك، فقد كنت شغوفة بالقراءة والأناشيد المدرسية، ثم جاءت أولى محاولاتي في كتابة الأبيات الشعرية، وكان زملائي يطلبون مني كتابة كلمات للإذاعة المدرسية، وهو ما شجعني كثيرًا.

بعدها بدأت أقرأ المعلقات، وأتأمل شعر الجاهلية وصدر الإسلام، وتعلمت علم العروض وأوزان الشعر، وازداد ارتباطي باللغة العربية حتى أصبحت لغة حديثي اليومية مع الأهل والأصدقاء.

 هل تختلف مواصفات شاعر قصيدة النثر عن شاعر العمود أو التفعيلة؟

قصيدة النثر ليست حكرًا على الفصحى، فهي موجودة أيضًا في شعر العامية، ويعتمد شاعر قصيدة النثر على التكثيف والتركيز، والانتقال السلس بين الأفكار، مع توظيف المفارقة، والصور البلاغية، والرمزية، والسرد، لكن دون أن تطغى السردية على الشعرية.

كما أن الموسيقى الداخلية عنصر أساسي في هذا النوع من الكتابة، فهي التي تمنح النص تأثيره الوجداني، وتجعله أكثر قدرة على التغلغل في النفس الإنسانية.

هل خضتِ تجربة الكتابة السردية إلى جانب الشعر؟

نعم، والحمد لله، كتبت القصة القصيرة، والرواية، والمسرح، والمقال الأدبي، كما أنجزت دراسات علمية في الأدب المقارن بين الأدب العربي والأدب المصري القديم.

وأعمل مفتش آثار، وسبق أن توليت منصب مدير الوعي الأثري، وهو ما أتاح لي الجمع بين الأدب والآثار والسياحة، لأن علم الآثار عالم مليء بالغموض، وخلف كل أثر حكاية تستحق أن تُروى.

 كيف ترين دور قصور الثقافة في دعم المبدعين؟

أعتقد أن قصور الثقافة قدمت وما زالت تقدم دعمًا مهمًا للمثقفين، فمعظمنا بدأ من خلالها، سواء عبر مؤتمرات اليوم الواحد، أو مؤتمرات الأقاليم، أو النشر الإقليمي.

لكن في بعض الأحيان يتراجع دور بعض الأندية الثقافية، بسبب ضعف الإمكانات أو المشكلات الإدارية بين الأعضاء، وهي أمور عايشتها بنفسي.

 ماذا تشعرين بعد الانتهاء من كتابة قصيدة جديدة؟

أشعر بسعادة كبيرة، وكأنني أنجزت عملًا عظيمًا، فالقصيدة بالنسبة لي ليست مجرد كلمات، وإنما تجربة إنسانية مكتملة، ومن الصعب أن يخرج نص حقيقي دون أن يحمل قيمة تستحق القراءة.

 هل لديك وقت محدد للكتابة؟

لا أرتبط بوقت معين للكتابة، فالإبداع لا يعرف مواعيد ثابتة، لكنني أجد أن الليل هو الأقرب إلى لحظة الإلهام، فهو وقت السكون، والحنين، والذكريات، وتأمل الذات.

ويحضرني هنا بيت للشاعر الشريف الرضي:

وَمَا السَّهَرُ المُرْخَى عَلَيَّ سُتُورَهُ
بِأَعْجَزَ مِنْ أَنْ يَلْتَقِي فِيهِ مَقْوَلِي

يكشف هذا الحوار مع الشاعرة رشا الخطيب عن تجربة إبداعية ثرية، جمعت بين الشعر والبحث العلمي والعمل الأثري، وقدمت رؤية تؤكد أن قصيدة النثر ليست خروجًا على التراث، بل امتدادًا له بلغة تناسب العصر.

كما يعكس الحوار إيمان الشاعرة بأن الكلمة الصادقة لا ترتبط بشكل القصيدة بقدر ارتباطها بقدرتها على الوصول إلى وجدان المتلقي، وصناعة أثر فكري وجمالي يبقى مع الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى