هبة عبد الوهاب تكتب: العنقاء وغياب الشفافية

بقلم: هبة عبد الوهاب

لقد أصبح المواطن المصري يستهلك الأزمات ويديرها، كما يستهلك نشرات الأخبار ويلوكها؛ استخدام مثالي لما يعرف بظاهرة “التريند”: فتارة يتأرجح معلقًا في رايات النصر رغم الخسارة الممنهجة في مونديال كأس العالم، وتارة يتناثر هالكا مجهدا من نتائج ثانوية عامة مؤلمة تحمل تفاصيل ملؤها الشك والريبة، وأخرى يغوص في أزمة انحراف بعض المؤسسات، وخاصة المؤسسات الخدمية و الثقافية التي تديرها الشلليلة والتربيطات، وتحكمها النزاعات، حتى يتدرج الأمر نحو المواطن البسيط الذي قهرته فواتير الكهرباء الساخنة حين قفزت بأصحابها إلى ما يعرف بالشريحة السادسة، إذ احتموا من صهد موجات اللهيب الأغسطسية المتلاحقة التي تجتاح البلاد بمروحة ستاند أو تكيف واحد ونص حصان.

لتنتهي جميع الحكايات بجملة واحدة، تحولت إلى تريند جماهيري واسع يستخدمه الجميع للتعبير عن الدهشة من الفرحة أو من الألم، كتبها الشاعر “خالد عصام” في لحظة تجلٍ قائلا: يامصر بتعمليها ازاي…؟!!

ففي مصر، لا تموت أزمة قبل أن تولد أخرى. ولا تنتهي فرحة قبل أن تتبدى أخرى في أبهى صورها، وكأنها العنقاء التي تتجدد أبدا في جميع أثوابها، مهما بدت رفيعة ثمينة أو متواضعة رثة، حيث يدور هذا الشعب في حلقة مكتظة بالحكايات التي يتغير فيها العنوان، بينما يبقى المتن الوحيد: هو قدرة المواطن المصري على قهر القهر بمنتهى الدهشة والثبات، ليردد العالم الذي يتابعه خطوة بخطوة: يامصر بتعمليها ازاي؟!!

في أول الأمر، “تريند” خسارة المنتخب المصري بصورة أثارت الدهشة، ولم يكن السؤال: لماذا خسرنا؟ ولا من نحاسب، ومن نراجع؟ ولا اهتمام بمن يجرؤ على كشف أوجه القصور؟ ولمن نتظلم إذا كان الراعي الرسمي هو الفاسد الأكبر؟ فقد فطن الشعب مبكرًا أن باب المساءلة موصد، وكل الطرق تفتح الباب أمام التكهنات، وتتسع معها مساحة للحديث عن المحسوبية، وسوء الإدارة، وتضارب المصالح، حتى وإن غابت الحقائق الكاملة عن الجمهور، فلمَ لا نحتفل بهزيمتنا المشرّفة الفارقة التي لا مثيل لها؟ّ ونغني ” يامصر بتعمليها ازاي؟!!
فما أن لبثنا ننتهي من احتفالاتنا بالخسارة الفريدة في المونديال حتى جاءت نتائج الثانوية العامة العجيبة لتعيد مشهد “التريند” نفسه بشكل أكثر دهشة وإيلاما، فجاء صراخ مئات الأسر التي تعلقت أحلامها بين الأمل والقلق، حيث كان الاشتباه في مصدقية المواقع الرسمية التي أعلنت نتائج ما يقترب من نتيجة مليون أسرة تلهث خلف مستقبل أبنائها في مارثون الثانوية العامة، بينما وسط هذا الصمت الرهيب من الجهات المسؤولة، وغياب موازين الشفافية، واحتمال تغييرالأوراق والنتائج أو قل تبديل “مصير طالب مجتهد بآخر مسنود”، وتصريحات عن بيع إجابات وشراء ضمائر وإخفاقات مرفوضة ونجاحات مريبة، ورفض مجتمعي لاستقبال الأوائل الذين اجتمعوا في مدرسة واحدة، ورفض آخر لنتائج تعبر عن نصف الدرجة فقط لأكثر من نصف الطلاب في مواد متشابهة وحكايات متشابهات…الخ، تتسع فجوة الثقة، حيث غابت المعلومات الكافية، وتأخر التوضيح، وازدات ممارسات الإعلام الموازي، وبدا أن المؤسسات تخاطب الناس من أبراجها العالية. وضعفت الشفافية، وازدهرت الشائعات، وأصبح كل خبر ناقص هو مشروع لألف رواية مخيفة. لتنطلق عبارة ” يامصر بتعمليها ازاي ” بخفة بين موجات الجماهير الراضية والرافضة..

لم يكن المشهد الثقافي بعيدًا عن هذه الصورة. فالمؤسسات التي أُنشئت لحماية الفكر والإبداع، ما أن لبثت حتى تحولت إلى ساحات للصراع الشخصي، أو المنافسات التي تستهلك الطاقات. فجاءت الفجوة الكبرى في صروح كبيرة، دورها أن تدعم حرية الرأي، وتنتصر للاختلاف الثقافي والإنساني وتتبدل فيه الكراسي بمنتهى الاحترام والتراضي، فهو المعني الأول بأن يقدم أنموذجًا واضحا في الحوكمة الرشيدة، والانتخابات النزيهة، والإدارة القائمة على الكفاءة، لا التربيطات المقيتة، والمحاسبات المريبة والمطاردات القاسية والجزاءات المخيفة، حيث تتغلب أخبار الخلافات على أخبار الثقافة، وتطغى منظومة اللوائح على صور الإبداع المحلقة في خيال المبدعين آملة أن تجد بيتا تحطّ فيه لتأمن يمامات الإبداع في ظلّه.. بينما يردد أعضاء الكيانات المغصوبة يامصر بتعمليها ازاي؟!!!
فمتى تعي المؤسسات أن أخطر ما يواجه أي مؤسسة ليس ثبوت الفساد فقط، وإنما غياب ما يبدد الشكوك حول المؤسسة ويوضح شفافية الإدارة داخلها. فالمؤسسة التي تفتح أبوابها للمساءلة، وتنشر قراراتها بوضوح، وتخضع للمراجعة، تحمي نفسها بنفسها. أما المؤسسة التي تكتفي بالصمت، تترك المجال رحبًا للتأويل والتخبط، وتسمح للشبهات بأن تنمو في فراغ ضمائرنا، وترفع أصوات الجميع لتتزايد التريندات ونغوص معها في بحور الاستفهامات والدهشات، وتصبح الاتهامات موزعة بين الجميع.

القول الفصل هنا؛ أنه لا يمكن أن تكون الأزمة الكبرى في كثرة الإخفاقات وحدها، وإنما في اعتياد هذه الإخفاقات، وإعادة صياغتها بما يتناسب مع ظاهرة التريند، فحين يصبح الفشل خبرًا عابرًا، والشفافية مطلب بعيد المنال، ويغيب أهل المسؤولية، يتحول النقد إلى خصومة، والإصلاح إلى شعار، والجميع يدفع الثمن، ويظل المواطن حائرا قلقا يبحث عن إجابة لسؤال يفرض نفسه: مَن يحاسب مَن؟ وكيف يحاسبه لتتحقق العدالة؟!!

الأزمة ليست في الرياضة، ولا في التعليم، ولا الثقافة؛ إنما الأزمة في الإدارة اللاممنهجة غير الواضحة. فحين يغيب الإفصاح، وتحل البيانات المقتضبة محل المصارحة، يصبح الحديث عن الفساد أو شبهاته نتيجة طبيعية .

لفقدان الثقة، لا دليلًا عليه. فيا قوم؛ اعلموا إن الشفافية ليست رفاهية، وإنما هي الحصن الأول ضد الشائعات، والسلاح الأقوى في مواجهة الاتهامات. وتظل هذه الجملة الساحرة، هى المعبر الساخر والآمن للمواطن المصري عند الهزيمة و اليأس، والاحتفال بالنصر ..
حقيقي/ ” يامصر بتعمليها ازاي “

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى