مقالات

يوم في حياة مثقف مصري.. رحلة بين عبق الماضي وصخب الحاضر

بقلم: فوزي خطاب

بين زحام الحياة وضجيج الواقع، يظل المثقف المصري حالة خاصة، يعيش بعينين؛ واحدة ترى الحاضر بكل تناقضاته، وأخرى غارقة في جمال الماضي ودفئه. في هذا النص، يرسم الكاتب فوزي خطاب لوحة إنسانية عميقة، تكشف تفاصيل يوم عابر في حياة مثقف يحمل داخله عالمًا كاملًا من الذوق الرفيع والحنين والاختلاف.

نص المقال:

أي ذنب فعلت وأي إثم اقترفت حتى ألقي في طريق هؤلاء الذين يخالفونني في النهج والطريقة والأسلوب والتناول والرؤى والأهداف والغايات والميول والاهتمامات؟ لا شك أنه ذنب أعاقب عليه.

فأنا رجل له طابع خاص وذوق خاص وميل خاص ومنهج خاص لخوض الحياة وتذوق الأيام وتناول الأشياء وتعاطي الأفكار. لا يشغلني ما يشغل الناس، ولا ينال من يومي ما ينال من يومهم. فلا يشغلني الثراء قدر ما يشغلني الستر في ظل الاحتياج، أحب الحياة فقط، وأعشق الوجود المحض وسط النقاء والصفاء والبياض، والبكور وساعات الفجر الأولى، ونسمات الصبا،

ولحظات السكون والهدوء، وصمت الأشياء والكائنات، ومولد الصباحات الجديدة، وانتقاء الرجال واصطفاء القلوب.
أنا مفتون بالقديم، مشدود إليه، مدفوع لكل ما فيه، أسير هواه. تنازعني فيه نفس متمردة بين واقع مفروض وماضٍ مرغوب، ووجه رُكِّب بالمقلوب ينظر للوراء على جسد منطلق للأمام.

تستهويني الأطلال القديمة وبقايا الممالك الزائلة، فأسير بين بقاياها أتأمل عبارات منقوصة، وحِكمًا مقصوصة، ونقوشًا منقوشة على جدرانها. أكلم تلك الحوانيت العتيقة ذات الأبواب الخشبية المغلقة بفعل التراب، وارتفاع الشوارع حولها، وزوال مالكيها وانعدام أصحابها.

أستحضر أيامهم الذاهبة وساعات إصطباحتهم، وقيامهم للرزق إن هو قعد، أحب الموسيقى الهادئة الناعمة، وصوت محمد عبد الوهاب القديم، والست أم كلثوم، ومحمد قنديل، وكارم محمود، وعبده السروجي، وليلى مراد، وسيد مكاوي.

أحب الأزهر والحسين والسيدة نفيسة وقبة الإمام. أغالب تعب قدماي في حذائي الضيق من كثرة المشي في عماد الدين وسليمان باشا وقصر النيل والأوبرا القديمة وضريح سعد، وبقايا الأزبكية تحييني.

تأسرني رائحة الكتب القديمة والورق الأصفر المعتق، المعبق برائحة شخوصها وكاتبيها. وتغويني حكايات الوراقين ومكاتبهم، ومسامرات العارفين منهم بأصل الكتاب وطبعته، والناقلين منه والناسخين عنه.

ترضيني جلسة قصيرة على دكة خشبية بشارع الألفي، أو كرسي خيزران على مقهى أم كلثوم، وكوب من الشاي مع سندوتشين فول وطعمية من التابعي، أو ساعة أخيرة مع من أحب من رفقة العمر الجميل، قبل عودة سريعة بالمترو إلى حيث أريد… حيث الصباح.
لألتقي أناسًا ليس بيني وبينهم نقطة التقاء، أو شيء مشترك، سوى مبنى ومكتب ومجموعة أوراق.

هكذا يمضي يوم المثقف المصري بين عالمين؛ عالم داخلي غني بالجمال والذكريات، وآخر خارجي تفرضه ضرورات الحياة. وبين الاثنين، يظل الحنين هو البوصلة، والاختلاف هو الهوية، والبحث عن المعنى هو الرحلة التي لا تنتهي.

اقرأ ايضا:

هبة عشماوي توضح سر نزول الوزن السريع.. والنتيجة من أول تجربة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى