مقالات

إبراهيم شبل يكتب: التعليم في بلدنا بين الواقع والخيال

لا أحد يستطيع أن ينكر أن التعليم في بلادنا يعيش أفضل حالاته، فكل شيء يسير على ما يرام، والنتائج مبهرة إلى الحد الذي يجعل المبصر والأعمى سواء في الانبهار، حتى أصبح تعليمنا ـ دون مبالغة ـ في مقدمة نظم التعليم في العالم أجمع.

فالطالب يعرف قيمة المعلم، وولي الأمر يوقره ويحفظ له مكانته، والحكومة تتعامل مع المعلم باعتباره حجر الأساس في بناء الإنسان، لا باعتباره موظفًا ينتظر لحظة الاتهام أو العقاب.

والمعلم عندنا يعيش في أمان نفسي ومادي كامل، يحصل على دخل كريم يجعله متفرغًا لرسالته التعليمية، فلا يضطر إلى البحث عن عمل إضافي بعد انتهاء يومه الدراسي، كما أن مكانته الاجتماعية محفوظة، وهيبة الفصل قائمة، والاحترام متبادل بين الجميع.

ولا توجد بالطبع تلك اللجان المفاجئة التي تدخل الفصول الدراسية وكأنها تداهم وكرًا للخارجين عن القانون، فيتحول المعلم أمام طلابه إلى متهم مطالب بإثبات حسن النية طوال الوقت. فلا أحد يراقب المعلم بعقلية الشك، ولا أحد يتعامل معه باعتباره السبب الوحيد في أزمات التعليم، بينما يتم تجاهل الأسباب الحقيقية الممتدة منذ سنوات طويلة.

فالأزمة ليست في المعلم وحده كما يحاول البعض تصويرها، وإنما في منظومة كاملة تعاني من غياب الكوادر البشرية، ونقص أعداد المعلمين والإداريين والعمال، فضلًا عن تراكم القوانين والقرارات التي صدرت تحت شعار «إصلاح التعليم»، بينما يزداد الواقع تعقيدًا عامًا بعد آخر.

لقد أصبح المعلم الحلقة الأضعف في معادلة شديدة القسوة؛ تراجعت مكانته الاجتماعية، وضعف العائد المادي، وازدادت الضغوط النفسية والمهنية، حتى اضطر كثير من المعلمين إلى البحث عن أعمال إضافية توفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

وفي ظل هذا المشهد، أصبحت مهنة التدريس في بعض الأحيان ملاذًا لمن لا مهنة له، وهو ما خلق صراعًا خفيًا داخل المنظومة التعليمية، وساهم في انتشار ممارسات سلبية، أبرزها استغلال الدروس الخصوصية، وإيهام أولياء الأمور بوعود لا علاقة لها بالحقيقة أو بالمستوى الفعلي للطلاب.

أما النقابة، التي من المفترض أن تكون صوت المعلم والمدافع الأول عن حقوقه، فقد غابت عن المشهد إلا بحضور باهت لا يُسمع له صوت حقيقي في القضايا المصيرية، حتى بات كثير من المعلمين يشعرون بأنها بعيدة تمامًا عن همومهم اليومية.

ومن أخطر المؤشرات التي ينبغي التوقف أمامها بجدية، ما قام به عدد من تلاميذ المرحلة الابتدائية هذا العام من تمزيق الكتب المدرسية. فالأمر لا يمكن اعتباره مجرد سلوك عابر أو تصرف طفولي، بل هو رسالة غضب ورفض صامتة لسياسات تعليمية لم تعد قادرة على جذب الطالب أو إقناعه بقيمة ما يتعلمه داخل المدرسة.

ومع ذلك، لا يزال الأمل قائمًا في إصلاح حقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للمعلم، وتطوير المناهج، وتحسين البيئة التعليمية، وبناء منظومة قائمة على الفهم والإبداع لا على الحفظ والتلقين، لأن التعليم سيظل دائمًا أساس نهضة الأوطان وصناعة المستقبل.

اقرأ ايضا:

الناقد أحمد فرحات يكتب: الكامل الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى