د. أحمد فرحات: نعيش عصر التفاهة والشهرة لم تعد دليلًا على القيمة الأدبية (حوار)
-القصيدة المغناة ضحية تسطيح الذوق العام والسوشيال ميديا
-الرواية لم تسحب البساط من الشعر.. والشعر سيبقى ديوان العرب
-الغموض لا يصنع نقدًا حقيقيًا واللغة الواضحة سر الوصول للقارئ
-الأدب المرعب يجذب الشباب بسبب واقعهم المضطرب
-أزمة الثقافة العربية انعكاس لهزائم الواقع العربي
وسط عالم تتراجع فيه سلطة الكلمة أمام سطوة الصورة السريعة، وتتحول فيه الثقافة أحيانًا إلى مجرد محتوى عابر تحكمه المشاهدات والتريندات، يبقى السؤال الأهم: هل ما زال الأدب قادرًا على حماية الذائقة والوعي؟
وفي هذا الحوار الخاص الذي أجرته «مجلة صوت الأهلية»، يتحدث الناقد والأكاديمي الدكتور أحمد فرحات عن أزمات المشهد الثقافي العربي، وتراجع القصيدة المغناة، وتأثير السوشيال ميديا على القارئ، وحقيقة الصراع بين الشعر والرواية، كما يفتح ملفات شائكة تتعلق بالنقد الأدبي، والكتابة النسوية، والأدب المرعب الذي بات يجذب قطاعًا واسعًا من الشباب.
ويكشف فرحات خلال الحوار عن رؤيته لواقع الثقافة العربية اليوم، مؤكدًا أن المشكلة لم تعد في قلة الإبداع، بل في تغيّر معايير الشهرة، وهيمنة المحتوى السريع على حساب القيمة الفنية والفكرية، في وقت لا يزال فيه الأدب الحقيقي قادرًا على البقاء والتأثير رغم كل التحولات.
قلت إن تراجع “القصيدة المغناة” دليل على هبوط الذوق العام… هل المشكلة اليوم في المتلقي؟ أم في المنتج الفني نفسه الذي أصبح أسرع وأسطح؟
الحقيقة إن القصيدة المغناة تعاني ما يعانيه المجتمع من تسطيح وتهميش للغة الفصحى، فجمهور القصيدة المغناة منتقى بعناية ولا يميل إليها سوى أصحاب الذوق الرفيع الذين يستطيعون فك رموزها وتشابك صورها وعذوبة معانيها وهذا لا يتأتى لكل الجمهور فلم يعد الجمهور واحدا بل تنوع وتعدد بحسب البيئة التي ينتمي إليها.

في زمن السوشيال ميديا والريلز السريعة… هل ما زال الأدب قادرًا على تشكيل وعي الإنسان كما كان يفعل قديمًا؟
إننا لا نعيش بمعزل عن مواقع التواصل الاجتماعي بل نرى ونسمع وننجذب إلى الصورة المتحركة كبديل لحضور الندوات والمناقشات والتجمعات الثقافية المتعددة والحفلات الراقصة فنضطر إلى متابعة اليوتيوب والريلز وغيرها مما يشكل وعي المرء المعاصر فيكفي أن تشاهد كلمة مرئية وتتأثر بها على مستوى الفكر أو مستوى التأثير القوي؛ ومع ذلك لا يزال الأدب بأشكاله المتنوعة من شعر وقصة ورواية لهما التأثير الأقوى لأنه تأثر بلا شك بالتكنولوجيا الحديثة، واستفاد كثيرا منها.

أزمة النقد واللغة المعقدة
أنت من النقاد الذين يرفضون “تغريب اللغة النقدية”… لماذا يشعر القارئ أحيانًا أن بعض النقاد يكتبون للنخبة فقط وليس للناس؟
لأن هؤلاء الذين يكتبون بلغة غامضة لم يفهموا النقد جيدا وهم يظنون أنهم يدركون بواطن الأمور، هذا السؤال دقيق إلى حد كبير ويعبر عن قاعدة ذهبية في الكتابة النقدية والأدبية، ويمكن تفسيرها بجلاء.
إن عمق الفهم يولد البساطة فالناقد الحقيقي الذي يستوعب العمل الأدبي أو الفني بعمق لا يحتاج إلى تعقيد العبارات ليثبت معرفته. التمكن من المادة يسمح بتبسيطها وتوصيلها للقارئ بوضوح ودون التواء. ومن جهة أخرى فإن اللغة الواضحة كشفٌ للنص فالكتابة بلغة سهلة ومباشرة تساعد في تسليط الضوء على جوهر العمل، بدلاً من إخفائه خلف مصطلحات معقدة. ومن ثم صار لزاما التواصل مع القارئ لأن النقد الناجح هو الذي يفهمه الناس ويسهم في ذائقتهم، وليس الذي يظل حبيس النخب الأكاديمية.
الشهرة والقيمة الأدبية
في كتابك “شعراء مصر المعاصرون” سلطت الضوء على شعراء مغمورين… برأيك هل الشهرة اليوم أصبحت منفصلة عن القيمة الأدبية الحقيقية؟
للأسف نعم!
لم تعد الشهرة تحتاج إلى إنجاز إبداعي حقيقي، بل يكفي الجرأة في تقديم محتوى سطحي أو “تافه” لجذب الانتباه السريع. فالشهرة التي تتحقق دون إبداع حقيقي هي شهرة مؤقتة تزول بزوال القوة التي صنعتها ولا تبقى في التاريخ الأدبي، بل هي مجرد زبد يذهب جفاءً. فهناك خلط شائع بين “الانتشار الجماهيري” و”الجودة الأدبية”. ليس كل من يملك قاعدة جماهيرية واسعة هو الأفضل فعلياً في مجاله؛ لأننا بحق أصبحنا نعيش عصر التفاهة والمشاهدات في كثير من الأحيان.

الألم والإبداع
تحدثت عن أن العزلة والألم قد يكونان وقودًا للإبداع… هل المبدع الحقيقي لا يخرج أفضل ما بداخله إلا بعد المعاناة؟
الألم والوجع وخيبة الأمل وقود حقيقي للإبداع. يقولون: الحاجة أم الاختراع. والإبداع الحق ولد من رحم المعاناة، وهي فكرة مثيرة للجدل، ولها أبعاد نفسية وفنية عديدة. وهناك من يرى أن المعاناة تئد الإبداع.
الشعر والرواية
كيف ترى حال الشعر العربي اليوم؟ وهل ما زال الشعر “ديوان العرب” فعلًا أم أن الرواية سحبت البساط منه؟
سؤالك هذا يجعلني أبتسم قليلا.
دعينا نفسر قيمة الشعر وفضله على سائر الفنون العربية، فلا رواية ولا قصة ولا حتى مسرحية تخلو من الشعر، وإذا خلت فقد فقدت عنصرا من أهم عناصر الفن. الشعر ديوان العرب، وهو فن لم يعرف العرب غيره على مر العصور، وقديما قالت العرب عبارة “لا تَدَعُ العربُ الشعرَ حتى تَدَعَ الإبلُ الحنينَ”
وقال أبو فراس:
الشِعرُ ديوانُ العَرَب
أَبَداً وَعُنوانُ الأَدَب
لَم أَعدُ فيهِ مَفاخِري
وَمَديحَ آبائي النُجُب
كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب؛ فإن الشعر ديوان العرب. وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعراً.
أما زمن الرواية فهي مقولة د. جابر عصفور رحمه الله، وكان يقصد منها كثرة الأعمال الروائية وندرة الأعمال الشعرية، لتحول الشعراء إلى الرواية رغبة في المكسب المادي وسهولة الكتابة بعيدا عن قواعد الشعر الصارمة. ومن جهة أخرى لا يوجد قامة شعرية كبرى يلتف حولها الشعراء كما كان أيام شوقي وحافظ ومطران.

المجاملات في النقد الأدبي
هناك من يرى أن النقد الأدبي أصبح مجاملات وعلاقات أكثر منه قراءة حقيقية للنص… إلى أي مدى توافق على ذلك؟
لا أوافق بالطبع.. فهي مقولة غير حقيقية مع إيماننا التام بأن المجاملات أصبحت سمة من سمات الناس عموما، وغالبا ما تكون مجاملات يشوبها المصالح، وهذا يفسد الحياة الأدبية برمتها.
خصوصية الكتابة النسوية
في دراساتك عن “رواية المرأة” هل تعتقد أن هناك بالفعل كتابة نسوية لها خصوصيتها المختلفة؟ أم أن الإبداع لا يُقاس بجنس الكاتب؟
أنا من أشد المؤمنين بخصوصية الإبداع، للرجال أدب، وللنساء أدب، وهناك فرق كبير بينهما، فالله تعالى يقول: وليس الذكر كالأنثى، فالخصائص متفاوتة بينهما، يؤكد العلماء أن التفاوت في الخلق والوظائف لا يعني تفضيل أحدهما مطلقاً على الآخر. ولكن لهذا فكره ولفظه وأدبه ولهذه فكرها ولفظها وأدبها.
التجريب والغموض في الرواية
كتبت عن “تيار الوعي” والرواية الحديثة… هل الروايات التي تعتمد على الغموض والتجريب العنيف تخدم الأدب فعلًا أم تُبعد القارئ عنه؟
لولا التجريب لبقيت الأعمال الإبداعية كما هي ولم تتغير، التجريب عامل رئيس في تطور الأدب وانتشاره، فالرواية التقليدية تقتضي أن تمر بعملية التجريب حتى نصل إلى رواية ما بعد حداثية. والنماذج على ذلك كثيرة جدا، رواية أحلام ذاكر للدكتور طارق الزيات نموذج لهذا النوع، وكذلك رواية مقتل دمية لحامد الشريف، ورواية فوق الجاذبية للروائي أحمد الشدوي، وغيرها كثير.
أعمال أدبية ظلمها النقد
ما أكثر عمل أدبي قرأته وشعرت أنه ظلم نقديًا ولم يأخذ مكانته التي يستحقها؟
هذه نقطة خطيرة ومهمة جدا.. لأن الأعمال الأدبية التي ظلمت نقديا كثيرة جدا، ولم يجد القارئ العربي وسيلة لمتابعة مبدعه إلا إذا فاز بجائزة.. عندها فقط يهتم القارئ بالعمل ويتابع بشغف. رواية صلاة القلق للروائي المصري محمد سمير ندا لم تنل حظها من النقد على الرغم من فوزها بجائزة كبيرة.
وللكاتبة الإماراتية زينب محمد تجربة شديدة الخصوصية في كتابة الرواية التي تجسد الرعب وتقدمه بشكل لافت عن طريق الأحداث المتنامية والقوية التي تزلزل البدن قبل أن تخلخل الروح. وهي كاتبة تهتم كثيرا بفئة الشباب فكتبت إليهم روايات الجيب لتقدم زادا معرفيا مختلفا، وتهتم بتقديم نوعية مميزة من القيم حتى لو من مجتمعات غير عربية.
الأدب المرعب والشباب
برأيك… لماذا أصبح كثير من الشباب ينجذب للأدب المرعب والعبثي والديستوبي أكثر من الأدب الإنساني الكلاسيكي؟
قلتِ (كثير من الشباب)، والشباب هذه الأيام يميلون إلى ذلك النوع من الروايات، في بيتي يهتمون كثيرا بهذا النوع وأولادي تقريبا لم يطلعوا على الأعمال الروائية الكبرى، وهم يمثلون شريحة الشباب، وربما لم يقرؤوا كتبي التي تميل إلى الأدب المتزن والمحايد. في معرض القاهرة الدولي للكتاب طلبت مني ابنتي ريم مجموعة روايات لأحد الذين ذاع صيتهم شهرة من الكتاب الشباب على الرغم من وجود أعمال روائية كثيرة في مكتبتي لم ترق لها رواية واحدة منها.
أزمة الثقافة العربية
لو طلبنا منك وصف أزمة الثقافة العربية اليوم في جملة واحدة… ماذا ستقول؟
أزمة الثقافة العربية اليوم نابعة من الواقع المأزوم، والهزائم المتتالية للشخصية العربية في مجابهة الواقع الغربي المنتعش بالانتصار الزائف والخادع.

اقرأ ايضا:
الباحث أشرف أيوب معوض: السوشيال ميديا لم تقتل التراث الشعبي لكنها غيّرت شكله (حوار)




