من اللقاءات الراقية إلى الصفقات الكبرى.. كيف تبني سيدات الأعمال شبكاتهن في البحرين؟
لم تعد لقاءات سيدات الأعمال في البحرين مجرد مناسبات اجتماعية لتبادل بطاقات التعارف أو حضور الفعاليات الراقية، بل أصبحت بعض هذه اللقاءات منصات للتواصل المهني وتبادل الخبرات، والتعريف بالمشروعات، وبناء شراكات قد تمتد إلى أسواق إقليمية ودولية.
وبين اجتماعات المؤسسات المهنية، وملتقيات الاستثمار، واللقاءات التي تجمع صاحبات الشركات بالخبيرات والمستثمرات، تتشكل في مملكة البحرين شبكات أعمال تسعى إلى تحويل العلاقات المهنية إلى فرص قابلة للنمو، في مشهد يجمع بين ريادة الأعمال والابتكار والتواصل الإنساني.
لكن السؤال الأهم هو: كيف تتحول معرفة عابرة في لقاء مهني إلى شراكة تجارية؟ وما الذي يجعل بعض اللقاءات تتجاوز المجاملات إلى نتائج ملموسة في عالم الأعمال؟
سيدات الأعمال من التعارف إلى بناء الفرص
تقدم تجربة مبادرة Executive Tea Connect ME Bahrain نموذجًا لافتًا لفكرة بناء العلاقات المهنية من خلال لقاءات تجمع سيدات من خلفيات وتخصصات متنوعة.
وفي مقابلة نشرتها مجلة OHLALA البحرينية في مارس 2026، تحدثت ديانا بينهيرو، مؤسسة شركة Intersect Point وصاحبة المبادرة، عن فكرة تقوم على تجاوز حدود المسميات الوظيفية وبطاقات التعارف، وبناء علاقات أكثر عمقًا بين المشاركات.
وقالت بينهيرو، في ترجمة لمضمون حديثها المنشور، إن الهدف الأساسي للمبادرة هو توفير مساحة تلتقي فيها النساء بعيدًا عن الاكتفاء ببطاقات الأعمال والمسميات الوظيفية، بما يساعدهن على النمو على المستويات الشخصية والمهنية والجماعية.
وتوضح تجربتها أن اللقاء المهني يمكن أن يتجاوز طابعه الاجتماعي، عندما يتضمن تبادل المعرفة والإرشاد والتواصل بين صاحبات الخبرات والمشروعات والمستثمرات.
وبحسب المقابلة نفسها حول تجارب سيدات الأعمال ، وصل عدد المشاركات النشطات في المبادرة داخل البحرين إلى نحو 100 مشاركة خلال عامها الأول، كما تحدثت بينهيرو عن إطلاق علامات تجارية جديدة، وتحويل أفكار مبتكرة إلى مشروعات فعلية، وتكوين شراكات وتعاونات داخل المجتمع المهني للمبادرة.
وهنا تظهر نقطة مهمة: قيمة شبكة العلاقات لا تُقاس بعدد الحاضرات فقط، بل بما تتيحه من فرص للتعاون وتبادل الخبرات والوصول إلى شركاء محتملين.

جمعية سيدات الأعمال البحرينية.. شبكة مهنية تتجاوز اللقاءات
على مستوى المؤسسات، تمثل جمعية سيدات الأعمال البحرينية إحدى الجهات التي تعمل على توفير بيئة مهنية داعمة للتواصل والتعاون وتطوير المشروعات.
وتأسست الجمعية عام 2000 بمبادرة من 16 سيدة أعمال بحرينية، وتصف نفسها بأنها أول منظمة مهنية متخصصة في سيدات الأعمال على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.
وتشمل مجالات عملها التواصل المهني، والإرشاد والتوجيه، وورش تنمية القدرات، وتعزيز حضور المرأة في مواقع القيادة، إلى جانب تنظيم المنتديات والفعاليات التي تجمع صاحبات الأعمال والمهنيات وممثلي المؤسسات.
وفي مقابلة نشرتها مجلة Woman This Month في يناير 2025، تحدثت أحلام جناحي، رئيسة الجمعية والمؤسسة المشاركة فيها، عن أهمية بناء الشراكات مع القطاعين العام والخاص.
وأوضحت أن الجمعية وقعت أكثر من 70 مذكرة تفاهم، وفق ما ذكرته في المقابلة، بهدف تعزيز فرص المرأة في القيادة وريادة الأعمال.
كما أشارت إلى برامج تشمل تنمية القيادات النسائية، ودعم مشاركة المرأة في التكنولوجيا، ومساندة رائدات الأعمال الشابات من خلال ورش العمل وبرامج الاحتضان.
وتكشف هذه التجربة عن جانب مهم في بناء العلاقات المهنية؛ فالشبكة الناجحة لا تعتمد فقط على اللقاءات، بل تحتاج إلى مؤسسات تساعد على استمرار التواصل، وتبادل الخبرات، وفتح قنوات للتعاون بين الشركات والجهات الداعمة.
عندما تتحول اللقاءات إلى شراكات دولية
لا تتوقف أهمية شبكات العلاقات عند حدود البحرين، بل يمكن أن تمتد إلى أسواق جديدة، وهو ما ظهر في منتدى رواد الأعمال والاستثمار العالمي الذي استضافته المنامة في فبراير 2026.
وفي تقرير نشرته الأمم المتحدة في 16 فبراير 2026، عرضت المنظمة تجارب لمشاركات استفدن من الاجتماعات المهنية في بناء علاقات تعاون خارج أسواقهن المحلية.
ومن بين هذه التجارب، تحدثت دوريس مارتن، الرئيسة التنفيذية لشركة DMartin Consultancy في البحرين، عن مشاركتها في المنتدى، موضحة أنها أقامت شراكات مع شركات في الإمارات العربية المتحدة والمغرب من خلال اجتماعات الأعمال الثنائية التي أتاحها الحدث.
وقالت مارتن، وفق الترجمة العربية لتصريحها المنشور: «لقد كان هذا المنتدى فعالًا بالنسبة لي»، مشيرة إلى تعاونها مع شركات إقليمية عبر البحرين ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية.
وفي التقرير نفسه حول سيدات الأعمال ، وصفت توسِين أرويجولو، الرئيسة التنفيذية لشركة Leadership Excel Consultancy ورائدة الأعمال المقيمة في البحرين، المنتدى بأنه منصة قوية للتواصل، موضحة أنه أتاح لها فرصة الحديث مع قادة من مختلف أنحاء العالم.
وتؤكد هذه التجارب أن الاجتماعات المهنية قد تكون أكثر من مساحة لتبادل الأفكار؛ إذ يمكن أن تتيح الوصول إلى شركاء جدد، والتعرف على أسواق مختلفة، واكتشاف فرص للتوسع، بشرط وجود أهداف واضحة ومتابعة عملية بعد انتهاء الفعاليات.
من الشركات الكبرى إلى المشروعات الناشئة
لا تقتصر شبكات الأعمال على صاحبات الشركات الكبيرة أو القيادات التنفيذية، بل تمتد إلى رائدات الأعمال اللاتي يبدأن مشروعاتهن بإمكانات محدودة ويبحثن عن فرص للوصول إلى الأسواق.
وفي تقرير آخر نشرته الأمم المتحدة في البحرين في فبراير 2026، ظهرت تجربة شيماء سعيد، وهي مصممة مصرية للحرف اليدوية وفن الكروشيه، بدأت مشروعها من المنزل عام 2018 بعدما واجهت صعوبة في الحصول على وظيفة بسبب ظروفها الصحية.
وقالت سعيد، وفق ترجمة تصريحها المنشور، إنها حولت هوايتها إلى مصدر دخل بدلًا من الاستسلام للظروف، كما تحدثت عن طموحها في امتلاك مساحة خاصة لعرض منتجاتها وبيعها والوصول إلى الأسواق العالمية.
وأشارت إلى أن مشاركتها في فعالية دولية مثلت خطوة مهمة في مسيرتها، وأن الدعم الذي حصلت عليه ساعدها على التطور على المستويين الشخصي والمهني.
وتوضح هذه التجربة أن الوصول إلى شبكات الأعمال والفعاليات المتخصصة لا يقتصر على صاحبات المشروعات القائمة بالفعل؛ فقد يمثل بوابة مهمة أمام المشروعات المنزلية والمواهب الناشئة التي تحتاج إلى فرص للعرض والتسويق والتوسع.

التعليم والإرشاد.. كيف تستمر العلاقة بعد انتهاء اللقاء؟
لا تكتمل منظومة العلاقات المهنية من دون نقل المعرفة وتوفير فرص للتعلم والإرشاد، خاصة بالنسبة إلى الشابات اللاتي يستعددن لدخول عالم الأعمال.
وفي منتدى رواد الأعمال والاستثمار العالمي الذي استضافته المنامة، شددت الدكتورة نهال النجار، الأستاذة في الجامعة الملكية للبنات في البحرين، على ضرورة دمج ريادة الأعمال في العملية التعليمية باعتبارها منهجًا للتفكير والعمل، وليس مجرد مادة دراسية.
وأوضحت، في حديثها للأمم المتحدة، أن الجامعات ينبغي أن تربط الطالبات بالمنظومة الأوسع لريادة الأعمال، وتوجههن إلى فرص الإرشاد والتمويل والشبكات المهنية عندما يصبحن مستعدات لإطلاق مشروعاتهن.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة؛ لأن العلاقات المهنية الأكثر فاعلية لا تمنح صاحبات المشروعات فرصة للتعارف فقط، بل تساعدهن على تطوير المهارات، وفهم السوق، والوصول إلى الخبرات التي يحتجن إليها في مراحل مختلفة من مشروعاتهن.
البحرين ومساحة أوسع لريادة الأعمال النسائية
في المحصلة، تكشف تجارب سيدات الأعمال في البحرين أن بناء العلاقات المهنية أصبح جزءًا من أدوات تطوير المشروعات، سواء من خلال الجمعيات المتخصصة أو اللقاءات التي تجمع صاحبات الخبرات أو المنتديات الدولية التي تتيح التواصل مع المستثمرين والشركات.
وتقدم قصص دوريس مارتن وديانا بينهيرو وأحلام جناحي وشيماء سعيد نماذج مختلفة لهذا المسار؛ فبعض التجارب تركز على بناء الشراكات الدولية، وأخرى على تطوير مجتمع مهني مستمر، فيما تبرز تجارب المشروعات الصغيرة أهمية الوصول إلى المنصات التي تساعد على عرض المنتجات وتوسيع نطاقها.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الشبكات لا تكمن في أجواء اللقاءات أو مكان انعقادها، بل في قدرتها على خلق فرص قابلة للقياس، وتبادل الخبرات، وتوسيع الأسواق، ومساعدة صاحبات المشروعات على الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ.
وبين اللقاء الأول والصفقة الناجحة، تظل المعرفة والثقة والمتابعة عناصر أساسية في تحويل العلاقات المهنية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.





