الدكتورة التي ماتت وحيدة
كتب: حسين عبد العزيز
لا حديث في مصر الآن إلا عن اكتشاف الدكتورة عيون فارقت الحياة منذ ثلاث سنوات، وعُثر عليها بعد أن تقدم صاحب العقار ببلاغ للمطالبة بالشقة التي لم تدفع إيجارها منذ فترة طويلة، وجاءت النيابة لفتح الشقة، لتظهر الكارثة الإنسانية؛ فقد توفيت صاحبتها بداخلها، وتحولت جثتها إلى هيكل عظمي، بعدما ظلت دون أن يكتشف أحد وفاتها طوال ثلاث سنوات.
وهنا أخذ الناس في كل مكان يتحدثون عما حدث للطبيبة التي ماتت وحيدة. وهي، في رأيي، تتحمل جانبًا من المسؤولية عما وصلت إليه حالتها؛ لأنها قطعت علاقاتها الإنسانية مع الجيران في الشارع وفي العمارة.
ويبدو أنه كان لديها قدر كبير من الاستعلاء في التعامل مع الآخرين، انطلاقًا من كونها طبيبة، وأن شقيقها وزير، فضلًا عن انتمائه إلى جماعة الإخوان. فالإخواني، في نظر الكاتب، يرى نفسه مميزًا عن الآخرين، ولا يمنح الناس قيمة حقيقية، بل يتعامل معهم بحذر، وقد يرى أن عدم التعامل معهم أفضل وأسلم.
إن الناس، أو الآخر، هم في كثير من الأحيان انعكاس لأسلوب تعاملنا معهم. فإذا تعاملنا معهم بالحب، أصبحنا في قلوبهم، أيًّا كانت اختلافاتهم. وهذا الحب يمكن أن نشعر به في كل مكان نتحرك فيه، بل إن الوصول إليه أمر سهل للغاية.
القضية تكمن في الإنسان نفسه؛ فقد فُطر بعضنا على حب ذاته وعشقها، لكنه لم يتعلم كيف يحب الآخرين، أو كيف يقدم لهم شيئًا إيجابيًا دون انتظار أي مقابل. وأظن، وبعض الظن صدق، أن الدين يحثنا على ذلك، لكن كثيرين يتعاملون مع الدين من خلال قانون المكسب والخسارة، وليس من خلال الحلال والحرام.
أعني أن البعض قد يلجأ إلى الحرام، من كذب وغش ونفاق، ما دام ذلك يحقق مصلحته. ومن هنا أجدني مضطرًا إلى طرح هذا السؤال: هل يوجد فرق بين الحلال والحرام؟
أطرح هذا السؤال لأن الأشياء تداخلت بعضها في بعض، ولم يعد هناك بصيص من الأمل في النجاة مما ننزلق إليه بإرادتنا.
وهنا أتذكر كتابًا مهمًا أصدره الدكتور جلال أمين، يحمل عنوانًا لافتًا ومثيرًا للتأمل، وهو «ماذا حدث للمصريين؟».
وفي هذا الكتاب، يتساءل الدكتور جلال أمين عما الذي حوّل المصريين من الإيجابية، حيث كان الجميع يمدون أيديهم لمساعدة بعضهم بعضًا، إلى ما نراه اليوم من نهب وسرقة وتحايل وغش، وغير ذلك من السلوكيات التي أصبحت تثير القلق.
والأكثر غرابة أن بعض من يمارسون هذه السلوكيات يحافظون على أداء الصلاة في المسجد، ويحملون السبحة، ويتمتمون بالأذكار، لكنهم يحافظون على الشكل ولا يعرفون الجوهر. إنها شكلنة الدين.
اقرأ ايضا:
العوالي.. كيف تحولت مدينة النفط في البحرين إلى ذاكرة ثقافية تستعيد تفاصيل الحياة القديمة؟



