ضياع الهوية الإسلامية في زمن الحضارة والمدنية
من الآفات التي ابتلي بها المسلمون: عدم اعتزازهم بهويتهم، خاصة فئة الشباب، بل إن شئت قلت: عدم معرفتهم بها، فمفهوم الهوية تغير لديهم بصورة ملحوظة، ولعل هذا التغير نتيجة منطقية لما يتم بثه من أفكار في وسائل الإعلام، لاسيما الإعلام الجديد الذي يتسم بانعدام الهويات.
وهناك أقلام كثيرة مسلمين وغيرهم يروجون لهذا، ويضعون من الأسباب والمبررات ما يجعل عزوف الشباب عن هويتهم أمرًا منطقيا، ومن تلك المبررات: أنه لا بد من تحسين قوانين الطبيعة ، ويزعم هؤلاء أن تحقيق ذلك لا يكون إلا بالتخلي عن الهويات ، والاندماج في معينٍ واحد ، ومما يزيد الأمر غرابة أن المسلمون فقط هم الذين يُطْلَبُ منهم التخلي عن هوياتهم وعدم القناعة بها ، في حين أن الغرب يتمسكون بهوياتهم أشد ما يكون التمسك ، ولا يسمحوا لأحدٍ بالاقتراب منها ، ولعل ذلك يفسر بأن الهوية الإسلامية من وجهة نظرهم تمثل العائق الوحيد أمام انتشار العولمة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ، ويقرر هؤلاء وبكل وضوح في نهايات القرن العشرين أن القرن الحادي والعشرين سيكون صدام الحضارات أوضح ما يكون بين الغرب والإسلام ، ويرجعون ذلك إلى عوامل متعددة منها : عوامل ثقافية بسبب تعارض القيم العلمانية الموجودة في الغرب مع قيم الإسلام وتعاليمه ، إضافةً إلى وجود تنافس تاريخي بين المسيحيين والمسلمين ، ومنها عوامل نفسية أيضاً.
ومما يؤكد حرص الغرب على عدم المساس بهويتهم بأي شكلٍ من الأشكال ما حدث في انجلترا، وتحديداً في مقاطعة ” ساري ” حيث اعتصم سكان هذه المقاطعة قرابة 552 يوم متواصلة لمنع شركة “ماكدونلز” الأمريكية من إقامة فرع لمطاعمها في هذه المقاطعة، على اعتبار أن ذلك نوع من الاختراق والعدوان على نمط الغذاء المحلي، مما يمثل اعتداءً على هويتهم وخصوصيتهم، مما اضطر الشركة بعد هذا الاعتصام إلى إلغاء العقد.
لذلك ينبغي عدم الانسياق وراء تلك الدعوات التي تنادي بالتطور والاندماج، وترى في التخلي عن الهوية تحسينا ، والتمسك الشديد بها تقبيحا، لأن المقرر عند المصلحين من المسلمين أن تحسين القوانين الطبيعية لا يعتد به إلا إذا أقره الشرع، ولا ينبغي الاعتماد على ما يحسنه العقل أو يقبحه، إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه، ويقرر المصلحون كذلك أنه ينبغي تعليم الناس السياسة بطريق الشرع لا بطريق العقل المجرد، وينبغي رفع أعلام الشريعة الحنيفية والسنة النبوية، ومعرفة سائر المعارف البشرية المدنية والعلوم الحكمية العلمية التي لا دخل لها في تقدم الوطنية، تلك العلوم التي يظهر الآن أنها أجنبية، وهي علوم إسلامية نقلها الأجانب من الكتب العربية.
لذلك ينبغي الاهتمام بتربية النشىء تربية إسلامية صحيحة، يكون قوامها تنشئته على قيم الإسلام وثوابته، واعتزازه بدينه وهويته، وأهم ما يمكن أن يربى عليه النشىء ليحافظ على هويته الإسلامية:
– تربيته على عقيدة الولاء والبراء، حيث تعتبر تلك القاعدة من الركائز الأساسية التي تبنى عليها شخصية المسلم، ولعل تلك القاعدة تعد الحصن الرئيس التي تمنع المسلم أن يذوب في غيره، تأكيداً لقوله تعالى “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” (سورة التوبة: 71) .
– النهي عن التشبه بغير المسلمين: يستوي في ذلك أن يكون التشبه في كلامهم أو ارتداء ملابسهم، أو في هيئاتهم التي تجد معارضة عند المسلمين، والتي تخالف قيم الإسلام وثوابته، مما تعتبر من ثوابت غير المسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجاناتهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة.
بقلم: دكتور أحمد محمد لطفي
أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالدقهلية وعميدها السابق.


