الناقد أحمد فرحات يكتب: القصيدة الخرساء
يقدم أحمد عبد المعطي حجازي في كتابه (قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء) موقفاً نقدياً سجالياً من أحد أكثر أشكال الكتابة الشعرية الحديثة إثارة للجدل، ولا ينطلق اعتراضه من مجرد رفض الخروج على الأوزان الموروثة، وإنما يتأسس على تصور خاص لطبيعة الشعر ووظيفته اللغوية والجمالية، وعلى اعتقاده بأن القصيدة لا تفقد وزنها فحسب حين تتخلى عن النظام العروضي، بل تخاطر بفقدان أحد أهم عناصر هويتها الفنية.
وتتجلى أهمية الكتاب في إصراره على التمييز بين الشعر والنظم من ناحية، وبين الشعر والنثر من ناحية أخرى. فليس كل كلام موزون شعراً، وليس كل كلام نثري جميل قصيدة، لأنها تضع الشعرية في موضع يتجاوز مجرد المحسنات والصور البلاغية، غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الملاحظة إلى مدخل للتشكيك في قصيدة النثر باعتبارها جنساً شعرياً مستقلاً.
وتبدو التسمية التي اختارها حجازي، (القصيدة الخرساء)، محملة بدلالة تقويمية واضحة؛ فالخرس يحيل إلى فقدان الصوت، وهو ما يوحي بأن القصيدة التي تتخلى عن الوزن قد فقدت قدرتها على التعبير الموسيقي، لكن هذا التصور لا يصمد أمام التمييز بين الوزن والإيقاع؛ فالوزن نظام كمي محدد، بينما الإيقاع ظاهرة جمالية أوسع، تتولد من التكرار والتوازي والتناغم الصوتي والتوازن التركيبي والتوتر الدلالي، ومن ثم فإن غياب الوزن لا يستلزم غياب الموسيقى.
ومن أبرز المآخذ على موقف حجازي أنه يطالب قصيدة النثر بتقديم قوانين جمالية تحدد هويتها، لكنه لا ينجز بالقدر نفسه تحليلاً تطبيقياً واسعاً لنماذج عربية ناجحة يمكن أن تختبر هذه القوانين، كما أن الاستناد إلى بقاء الأشكال الموروثة حية لا يكفي لنفي مشروعية الأشكال الجديدة؛ فحياة الشكل القديم لا تعني استنفاد إمكانات التجريب خارجه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقودنا الاعتراض على حجازي إلى التساهل في تعريف قصيدة النثر، أو إلى اعتبار كل نص مكتوب في هيئة نثرية قصيدة. فالتجريب لا يعفي النص من ضرورة امتلاك بنية جمالية، كما أن التحرر من الوزن لا يعني التحرر من التنظيم الفني.
إن القيمة الحقيقية لكتاب حجازي تكمن في أنه يعيد طرح السؤال الجوهري: ما الشعر؟ لكن إجابته تظل محكومة بمركزية الإيقاع الموروث وبحساسية شعرية تنظر بريبة إلى التخلي عن الوزن، ولذلك فإن القراءة المنصفة للكتاب تقتضي الاعتراف بقوة أسئلته، مع مساءلة أحكامه، والتمييز بين نقد قصيدة نثر ضعيفة ونفي إمكان قصيدة النثر بوصفها جنساً شعرياً.
وفي النهاية، ليست القصيدة خرساء لأنها لا تنتظم في بحر خليلي؛ فقد يكون لها صوتها الخاص، وموسيقاها الداخلية، ونظامها الإيقاعي المختلف، وإنما تصبح خرساء حين تعجز لغتها عن إنتاج الدلالة، وتفشل صورها في خلق الدهشة، وتتحول كتابتها إلى نثر عادي لا تمنحه القسمة إلى أسطر قصيرة أي قيمة شعرية.
ينطلق حجازي من قضية أساسية، هي أن كل كلام موزون ليس شعراً بالضرورة، فقد يكون النص منظوماً، لكنه يخلو من التجربة الشعرية، كما قد يحتوي النثر على صور شعرية وإيقاعات جميلة، دون أن يصبح بذلك قصيدة. ويقرر في هذا السياق أن الشعر والنثر يفيضان.
والمقصود أن الحدود بين الجنسين ليست مغلقة تماماً؛ فقد يتسلل النثر إلى الشعر، وقد تظهر الشعرية في النثر، لكن ذلك لا يعني إلغاء الفروق النوعية بينهما. وهذه نقطة مهمة في الكتاب؛ لأنها تضعنا أمام سؤال مهم: ما الذي يجعل النص شعراً، وليس مجرد كلام جميل؟
1- لغة النثر ترتبط بالتواصل والإخبار والإفهام والإقناع.
2- لغة الشعر ترتبط بالحدس والخيال والاكتشاف والانفعال والتجربة الجمالية.
ويشرح أن لغة الشعر تتمتع بحرية أكبر في ترتيب الكلمات، وتكوين الصور، وتجاوز الاستعمال المألوف للمفردات. فالشاعر لا يكتفي بنقل المعنى، وإنما يعيد تشكيل اللغة وإنتاج علاقات جديدة بين الأشياء، ويستشهد حجازي بالفروق بين الاستعمال العادي والاستعمال الشعري، مثل تحويل الاسم المألوف أو رؤية الإنسان في صورة الأسد أو الشمس أو البحر.
يرفض حجازي فكرة أن الأوزان والقوالب الشعرية القديمة أصبحت عاجزة عن استيعاب روح العصر. ويرى أن الأشكال الموروثة لا تموت لمجرد قدمها، وأن الموهبة الحقيقية تستطيع تجديدها من الداخل. ويشير إلى أن قصائد الإحيائيين والرومانسيين والشعراء الأوروبيين الحديثين أثبتت قدرة الأشكال التقليدية على مواصلة الحياة والإبداع.
واستنادا إلى ما سبق فإنه يرى أن قصيدة النثر لم تستطع، أن تثبت استقلالها الفني أو أن تقدم قوانين جمالية واضحة تميزها من سائر أشكال النثر.ويعترض على أن مجرد كتابة نص نثري بلغة شاعرية أو مليئة بالصور والمجازات يجعله قصيدة.
أما موقف الدكتور طه حسين من قصيدة النثر فقد كان كان موقفًا منفتحًا على التجديد، لكنه لم يكن قبولًا مطلقًا لكل نص نثري يُسمّى شعرًا.
كان طه حسين يرى أن الأوزان والقوافي العربية ليست مقدسة ولا قواعد أبدية لا يجوز تجاوزها. ولذلك لم يعترض من حيث المبدأ على أن يتجه الشعراء إلى أشكال جديدة تتجاوز نظام الشطرين والوزن والقافية التقليديين. وقد نُقل عنه في حديثه عن الشعر الحديث أن للشباب الحق في أن ينحرفوا عن مناهج الشعر القديم، لأن أوزانه وقوافيه (لم تنزل من السماء).
لكن طه حسين وضع شرطًا جوهريًا: أن يكون النص الجديد شعرًا من حيث قيمته الفنية، لا مجرد كلام نثري مقطّع إلى أسطر قصيرة.
فالشعر عنده لا يستمد شعريته من الوزن والقافية وحدهما، وإنما من عناصر أعمق، وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين اشترط في الشعر الحديث أن يحقق الأسس والخصائص الفنية للشعر، وأن يبهر النفس بما ينشئه الخيال من صور، وأن يسحر الأذن والنفس بجمال الألفاظ والموسيقى.


