الناقد أحمد فرحات يكتب: المقامات البلدانية “محمد بن ناصر العبودي”
تعتمد مقامات العبودي على راو وبطل وحكاية (غالبا خيالية) بغرض التثقيف والتعريف بالرحلة مع إثارة وتشويق، كتبت مسجوعة بمهارة فائقة، لغتها في متناول القارئ العادي، يقرأها المثقف وشبه المثقف ومحدود الثقافة، حتى معدومها يقرأها ليستمتع بمحتواها الفني.
اختار العبودي راويا أسماه أبا ناصر النجدي، وبطلا أسماه أبا زيد الخيالي، وذلك جريا على عرف مقامات القدماء، وارتكز العبودي على قصة خيالية مسجوعة، ينتقل من خلالها البطل من بلد إلى آخر، فانتقل البطل فيما يروي الراوي إلى الهند، والصين، والبرازيل، وكل بلد ينتقل إليه يسمي المقامة باسمه، فجاءت المقامة الهندية، والصينية، والبرازيلية، في ثلاث وستين ومائة صفحة.
تعالج مقامات العبودي قضايا نفسية واجتماعية – بأسلوب ساخر- يبرز فيها دور المرأة بشكل لافت، ففي المقامة الهندية تظهر المرأة لعبوبا، تغوي أبا زيد الخيالي، وتعرض عليه الفاحشة، وتحتال عليه لتنال بغيتها، لكنه لا يأبه لطلبها، ويلوذ إلى ربه، محتميا به، فتتركه لتعرض نفسها على آخر، فيخاف الله. “قال أبو زيد: فخافت الزوجة مني، فأسرعت بالتجني، فضربتني وبكت، وأسرعت إلى زوجها وشكت، وقالت: أهذا جزاؤك ممن اتخذته صديقا ورفيقا، ومننت عليه حتى يأكل معك في إناء واحد، أن يحاول أن يخونك في أهلك، وأن يستغل ثقتك به، ويزعم أنك ستستمر في جهلك، وربما تسبب في هلاكك، فيما لو طاوعته أنا، مع استيلائه على أملاكك”.
وثمة صورة أخرى لفتاة سيخية، “رائعة الجمال، كأنها غزال الرمال، وبدر الكمال، قد دمع لها مع الجمال العافية الوافية، ذات عينين نفاذتين، تفتح نظراتهما القلوب المغلقة، وتفتن الألباب الموثقة، وكانت إذا مشت تمنيت أنها تمشي عليك، وإذا ضحكت أضاءت الدنيا حواليك”. وقعت في قلب أبي زيد موقع الحب والاشتهاء، انتهز فرصة اقتراب شفتاها من شفتيه وقبلها قبلة على عجل، صاحت الفتاة ونادت أمها، وكدرت عيشته، حزن لذلك حزنا شديدا، وندم عندما علم أن العادات والتقاليد تؤجل زواج الفتاة من ابن عمها عشر سنين. فهي صورة لعادات وتقاليد نساء السيخ في الهند والسند. ولعلنا نلحظ أنها صورة مغايرة تماما “لمكينة” زوج ربان السفينة التي عرضت نفسها عليه. وفي الاختلاف يتضح الفرق بين امرأة وأخرى.
صورة ثالثة في المقامة نفسها عرضها العبودي على لسان المسلم الذي كان يعلم أولاده العربية، عندما أحس بحنين الخيالي إلى أهله، ورغبته في العودة إلى دياره، عرض عليه الزواج من امرأة، أي امرأة، ففي البلاد نساء يدفع أهلها المهر، لمجرد إبداء الرغبة في إقامة حياة زوجية حقيقية. وهي صورة كما ترى ليس فيها إلا الرغبة في امرأة ينحكها.
وهكذا تتعدد صور المرأة في بلاد الهند والسند عرضها العبودي عرضا شائقا مستبطنا نزعات النفس الإنسانية، وما يمور فيها من رغبات، وتجليات، وفي كل يقارن بينها وبين صورة المرأة المشرقية في بلاد الحجاز، فيغلب الحنين إلى بلاد الأهل عن مغريات الحياة ويسر الإقامة. ويغلب على مقامات العبودي خلوها من الكدية والاستجداء، فليس من أهدافه طلب استجداء المال وإن أفصح على لسان بطله أنه ذهب في رحلاته وتنقلاته طلبا للرزق الوفير، ورغبة في جمع المال، ولكنها حيلة فنية أكثر منها حيلة حقيقية واقعية.
وفي المقامة الصينة والبرازيلية يقدم العبودي نماذج نسائية عديدة، بعضها يعجب بشخصية العربي الأمين، وبعضها الآخر يميل إليها محبة، وفي كلا الموقفين لم ينحرف العربي وظل محافظا على سمته ووقاره، ولم يتزوج منهن خاصة عندما يغلبه الحنين إلى ديار نجد. وهو في عرضه لهذه النماذج النسائية كان غالبا يفسر بعض عادات الشعوب الأخرى فيما يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة، والارتباط بها. فكشف عن عادات البلاد والعباد بطريقة شائقة ممتعة في آن معا، محاولا إبراز الجانب الإنساني في الشخصية المتناولة بعيدا عن الدين والجنسية، فالإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان.
أما أسلوب المقامات لدى العبودي فهو أسلوب يعتمد على اللغة المسجوعة، لغة يسيرة وسهلة للقارئ العادي، ليتمكن من ذيوع مقاماته بين قطاع عريض من الناس، كما يبدو الغرض الرئيس من المقامات هو التسلية والمتعة، من خلال لذة النص المعروض، فلا هو مال إلى فئة دون أخرى، ولا انتقى من الكلام غريبه وشوارده، فجاءت المقامات سلسة ميسرة، نافذة في طرافة ولطف، بإيجاز كان أسلوب العبودي سهلا ممتنعا. يجذب العبودي متلقيه بهذا الأسلوب الساخر، من خلال قصة متخيلة، مشوقة، مثيرة، يوظف فيها رحلاته وتنقلاته بين المدن لإثارة القارئ وتشويقه، فما أحوج المتلقي لمعرفة عادات المدن التي يسمع عنها أو يراها مصورة في كتاب، وليس أدل من وصف التقاليد والعادات كالفن القصصي المثير والممتع معا.
يشبه العبودي أسلافه القدماء في إيلاج المقامة باب أدب الرحلات، فابن الخطيب يقدم مقاماته البلدانية عبر نهج الرحلة في سرد الأحداث؛ فصور ما تمخض عن رحلات العلم والحج إلى المشرق العربي من أحداث ومفارقات كاشفا عن عادات وتقاليد البلاد النازح إليها.
قدم العبودي ثلاث مقامات، تفاوتت طولا وقصرا حسبما تراءت له، فثلاث المقامات شغلت حيز كتاب بأكمله، جاءت المقامة الهندية في اثنين وعشرين صفحة، والمقامة الصينية في خمسين صفحة تقريبا، أما المقامة البرازيلية استحوذت على نصيب أكبر من السابقتين، فجاءت في ثلاث وتسعين صفحة، ليكون حاصل جمع المقامات جميعا ثلاثا وستين ومائة صفحة. والمقامة إذا طالت بشكل لافت أوقعت المتلقي في الملل، وكلما قصرت كانت أكثر إيصالا إلى المتلقي، وأكثر وقعا في النفس، وطول المقامة لا يفي بالغرض المنشود من المتعة والتشويق واللذة.
في مقامات العبودي البلدانية بعض أبيات من الشعر العربي، يعزوها إلى قائليها، وبعضها لا يشير إلى ذلك، وبعضها الآخر يعدل في البيت المعروف لأغراض سردية تخدم حبكته الفنية.
فينقل قول أبي تمام(السيف أصدق أنباء من الكتب) نقلا مباشرا دون تحريف، وينص على ذلك في مقامته. وأحيانا ينقل البيت مع تحريف طفيف فيقول:
تطاول في الشقماق ليلي ولم يكن بأرض الغضا ليلي يطول
وأصل البيت
تطاول بالفسطاس ليلي ولم يكن بأرض الغضا ليلي علي يطول
ويقول أيضا:
وكان رجائي أن أكون مملكا فصار رجائي أن أعود مسلما
وأصل البيت:
وكان رجائي أن أعود ممتعا فصار رجائي أن أعود مسلما



