من «ون بيس» إلى أبطال عرب.. هل تتحول القصص المصورة إلى صناعة تنافس عالميًا؟
بين نجاح “ المانغا اليابانية” ومحاولات بناء محتوى محلي، تكشف الفترة من 2024 إلى أكتوبر 2026 عن فرص جديدة أمام القصص المصورة العربية، لكنها تضع أيضًا أسئلة التمويل والجمهور واستمرار المبدعين في صدارة المشهد.
لم يعد مستقبل القصص المصورة العربية مرتبطًا فقط بقدرتها على ترجمة الأعمال اليابانية الشهيرة أو استقطاب محبي المانغا، بل أصبح مرتبطًا بسؤال أكثر عمقًا: هل تستطيع المنطقة بناء صناعة تنتج قصصها الخاصة، وتمنح الكُتّاب والرسامين فرصة للاستمرار، ثم تصل بهذه الأعمال إلى جمهور يتجاوز حدودها الجغرافية؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة في أكتوبر 2026 مع إطلاق سلسلة «ون بيس» باللغة العربية عبر تطبيقات «مانجا العربية»، في خطوة تعزز حضور الأعمال العالمية المترجمة، غير أن قراءة تطور هذا القطاع خلال الفترة من 2024 إلى أكتوبر 2026 تكشف أن المشهد لا يتوقف عند الترجمة، فقد ظهرت مبادرات لتحويل الروايات السعودية إلى قصص مصورة، وبرامج لاكتشاف المواهب، ومنصات تتيح نشر أعمال جديدة، إلى جانب تجارب عربية حققت حضورًا خارج المنطقة.
ولفهم ما تعنيه هذه التحولات، لا بد من النظر إلى الأرقام والمبادرات جنبًا إلى جنب مع آراء الكُتّاب والرسامين الذين تحدثوا عن واقع المهنة، لأن اتساع الوصول إلى القراء لا يعني بالضرورة أن الصناعة أصبحت قادرة على توفير دخل مستقر لمبدعيها.
” ون بيس” من 2024.. تحويل الروايات إلى قصص مصورة
وكانت إحدى المحطات المهمة في عام 2024 إطلاق مشروع مشترك بين هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية و«مانجا العربية» لتحويل خمس روايات سعودية إلى قصص مصورة، في محاولة لتقديم الأدب المحلي من خلال وسيط بصري قادر على جذب فئات جديدة من القراء.
وشملت الأعمال روايات «رسم العدم» لأشرف الفقيه، و«الرحالة» لكندة جَمبي، و«خواطر عابرة» لسلطان عياض، و«العوسج» للجوهرة الرمال، و«أعيش ذكرياتي بالمقلوب» لغادة المرزوقي،0 ونُشر الفصل الأول من «رسم العدم» ضمن مجلة «مانجا العربية للباب»، وفقًا لما أوردته صحيفة «عرب نيوز» في تقريرها عن المشروع في مارس 2024.
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة مجرد إعادة تقديم روايات في شكل مختلف؛ فهي تختبر إمكانية نقل الحكاية المحلية من صفحات الكتاب إلى المشاهد المرسومة، بما يتطلبه ذلك من إعادة بناء الإيقاع والحوار والشخصيات بما يتناسب مع طبيعة القصص المصورة.
وقد عبّر بعض الكُتّاب المشاركين عن أهمية إتاحة أعمالهم لجمهور جديد. وقال سلطان عياض، في تصريحات نقلتها «عرب نيوز»، إنه شعر بسعادة كبيرة عند توقيع العقد، موضحًا أن هذا ما كان يسعى إليه منذ عشر سنوات. كما أشارت كندة جَمبي إلى أن فريق الإنتاج فهم رؤيتها ودعمها، وأنها كانت ترى روايتها ملائمة للتحويل إلى مانغا.
وتوضح هذه الشهادات أن تحويل الأدب إلى قصص مصورة يمكن أن يفتح مسارًا إضافيًا أمام الكاتب، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديًا يتعلق بكيفية الحفاظ على روح العمل الأصلي، مع الاستفادة من إمكانات الصورة والحركة وتسلسل المشاهد.
دينا محمد: المشكلة ليست في موهبة الفنان وحدها
إذا كان مشروع تحويل الروايات يعكس رغبة في توسيع أشكال النشر، فإن تجربة الفنانة والكاتبة المصرية دينا محمد تكشف جانبًا آخر من المعادلة، يتعلق بقدرة القصص المصورة العربية على إيجاد مساحة داخل سوق النشر.
ففي تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية في يناير 2023، تحدثت دينا محمد عن تجربتها مع «شبيك لبيك»، وهي رواية مصورة تدور أحداثها في عالم خيالي داخل القاهرة، حيث تُباع الأمنيات وتُشترى. وقدمت من خلال العمل مزيجًا من الخيال والواقع الاجتماعي، بدلًا من الاقتصار على الكوميديا أو التعليق الاجتماعي.
وترى دينا محمد أن القصص المصورة ليست نوعًا أدبيًا واحدًا، بل وسيلة يمكن أن تقدم أشكالًا متنوعة من الحكايات والمعرفة والتجارب الإنسانية. لكنها ربطت قدرة الفنانين على إنتاج أعمال جديدة بوجود قراء مستعدين لدعمهم، مؤكدة أن المبدعين يحتاجون إلى الاعتراف بأعمالهم وإلى مقابل مادي يساعدهم على مواصلة العمل.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من أنها تنقل النقاش من سؤال جودة الرسم أو جاذبية الفكرة إلى سؤال السوق نفسه: إذا كان الكاتب أو الرسام لا يستطيع الاعتماد على عائد أعماله، فكيف يمكن مطالبته بإنتاج سلسلة طويلة، والحفاظ على انتظام النشر، وتطوير شخصيات قادرة على المنافسة؟
وتتفق هذه المشكلة مع ما رصده تقرير لمعهد جوته نُشر في يونيو 2024 عن فناني القصص المصورة العرب؛ إذ أشار إلى أن كثيرًا من المبدعين يعتمدون على وظائف أخرى لتغطية نفقاتهم، وأن بعض الناشرين ينظرون إلى نشر القصص المصورة باعتباره مخاطرة تجارية بسبب عدم وضوح حجم الطلب عليها.
وبذلك، لا تبدو العقبة الأساسية غياب الموهبة، بقدر ما تتعلق بمدى قدرة السوق على احتضان هذه الموهبة وتحويلها إلى إنتاج مستمر.
جورج خوري والشنّاوي.. انتشار أكبر لا يعني دخلًا مضمونًا
ولا تقتصر هذه المخاوف على التجربة المصرية؛ فالتحدي الاقتصادي يظهر أيضًا في شهادات فنانين وباحثين يتابعون تطور القصص المصورة في المنطقة.
ففي تقرير نشره معهد جوته ضمن مشروع «رؤية» في يونيو 2024، رأى الفنان والناقد والباحث اللبناني جورج خوري، المعروف باسم «جاد»، أن فن القصص المصورة العربي اكتسب شعبية أكبر في المنطقة وخارجها، مستندًا إلى خبرته في المجال ومشاركته في الفعاليات والمعارض الدولية. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن انتشار الفن لا يحسم مسألة قدرة الفنانين على كسب عيشهم منه.
وفي التقرير نفسه، تحدث الفنان المصري محمد الشنّاوي، الشريك المؤسس لمهرجان القاهرة الدولي للقصص المصورة، عن زيادة الوعي بوجود حركة عربية نشطة في هذا المجال. ومع ذلك، لفت إلى أن العمل في القصص المصورة لا يضمن بالضرورة مصدر دخل كافيًا، حتى في أسواق أوروبية أكثر رسوخًا.
وتكشف المقارنة بين الرأيين عن فارق مهم بين نمو الاهتمام الثقافي وبين نضج الصناعة اقتصاديًا. فقد تنتشر الأعمال عبر الإنترنت، وتزداد المشاركة في المهرجانات، ويتعرف الجمهور إلى أسماء جديدة، لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات أن الفنان بات قادرًا على الاعتماد على عمله كمصدر دخل رئيسي.
ومن هنا، فإن تطوير الصناعة يحتاج إلى منظومة تتجاوز إتاحة النشر، لتشمل عقودًا واضحة، وحماية حقوق الملكية الفكرية، ونماذج عادلة لتوزيع العوائد، إلى جانب فرص للتوسع في الطباعة والترجمة وتحويل الأعمال الناجحة إلى وسائط أخرى.
2025.. «واعدة» تحاول تحويل الموهبة إلى مسار مهني
في هذا السياق، جاءت مبادرة «واعدة» التي أعلنت «مانجا العربية» إطلاقها خلال معرض الرياض الدولي للكتاب في أكتوبر 2025، بهدف دعم المواهب السعودية والعربية الناشئة في كتابة القصص المصورة ورسمها، وإتاحة أعمالها أمام القراء عبر القنوات الرقمية.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، تضمنت المرحلة الأولى أكثر من عشر قصص بمشاركة أكثر من ثلاثين كاتبًا ورسّامًا ناشئًا، كما تجاوز عدد المشاركين في مسابقات «مانجا العربية» عبر ثلاث دورات 1500 مشارك، فيما تخطت قيمة الجوائز 250 ألف ريال سعودي.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أنها تحاول بناء حلقة وصل بين اكتشاف الموهبة وإتاحة الفرصة للنشر. فالمسابقة قد تكشف عن رسام متميز أو كاتب يمتلك فكرة مختلفة، لكن انتقاله إلى مرحلة الإنتاج المنتظم يتطلب تدريبًا ومراجعة تحريرية وفرصة للوصول إلى الجمهور.
وقال فارس الرشيد، نائب المدير العام لـ«مانجا العربية»، في تصريحات نقلتها «عرب نيوز»، إن المبادرة تمثل خطوة لدعم المواهب الناشئة وربطها بجمهور واسع، مع توفير مسارات للتطور المهني.
ومع ذلك، فإن الحكم على أثر المبادرة يحتاج إلى متابعة نتائجها على المدى الطويل: كم موهبة واصلت النشر بعد المشاركة؟ وكم عملًا تحول إلى سلسلة مستمرة؟ وهل حصل المبدعون على فرص مهنية تتيح لهم تطوير أعمالهم؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت المبادرة قد تجاوزت مرحلة اكتشاف المواهب إلى بناء جيل قادر على الاستمرار.
«نافذة» و«ون بيس».. توسيع الوصول إلى الجمهور
وبعد مبادرات التدريب ودعم المواهب، اتجهت الجهود إلى توسيع قنوات النشر؛ ففي سبتمبر 2026، أُعلن إطلاق منصة «نافذة»، التي تتيح للكتّاب والرسامين نشر قصصهم المصورة عبر تطبيقات «مانجا العربية». وتمثل هذه الخطوة محاولة لتسهيل وصول الأعمال الجديدة إلى القراء، بدلًا من أن تظل محصورة في المسابقات أو المبادرات المؤقتة.
وفي أكتوبر من العام نفسه، جاء إطلاق «ون بيس» بالعربية عبر التطبيقات الرقمية ليمنح المنصة فرصة إضافية لجذب محبي الأعمال العالمية. وتعود السلسلة اليابانية إلى عام 1997، وتتمتع بانتشار عالمي واسع، ما يجعل إتاحتها بالعربية خطوة مهمة لجمهور ينتظر الوصول إلى العمل بلغته.
وأفادت تقارير منشورة بأن تنزيلات تطبيقات «مانجا العربية» تجاوزت 13 مليون تنزيل في أكثر من 190 دولة، إلى جانب توزيع أكثر من 23 مليون نسخة من مجلاتها المطبوعة منذ انطلاقها. لكن من الضروري التعامل مع هذه الأرقام بدقة؛ فالتنزيلات لا تساوي عدد القراء النشطين، وعدد النسخ الموزعة لا يعني بالضرورة عدد النسخ المباعة أو المقروءة.
وهنا تظهر فرصة وتحدٍ في الوقت نفسه: تستطيع الأعمال العالمية جذب جمهور جديد إلى التطبيقات، لكن تحويل هذا الجمهور إلى متابع للأعمال العربية يتطلب أن تكون القصص المحلية واضحة الجودة، وجذابة من حيث الحبكة والشخصيات، ومنتظمة في نشر فصولها.
فنجاح «ون بيس» لا يثبت تلقائيًا نجاح المانغا العربية الأصلية، لكنه يتيح اختبار قدرة المنصات على تعريف القارئ بأعمال أخرى، ومدى استعداده لمنحها الوقت نفسه الذي يخصصه للسلاسل العالمية.
تجربة سعودية تصل إلى اليابان.. هل تصبح القصص المحلية قابلة للتصدير؟
وفي مقابل التحديات المتعلقة بالتمويل والنشر، تظهر تجارب تشير إلى إمكانية وصول الأعمال العربية إلى منصات التقدير الدولية، ومن بينها تجربة الفنانة السعودية حميدة حمادة، المعروفة باسم «ميدا»، التي فازت بالميدالية الفضية في الدورة التاسعة عشرة من جائزة اليابان الدولية للمانغا عام 2026 عن عملها «أزمة منتصف العمر».
ووفقًا لتقرير نشره موقع «كيه إس إيه آرت» في مارس 2026، اختير العمل ضمن مشاركات جاءت من 110 دول ومناطق، من إجمالي 738 مشاركة. وكانت القصة قد نُشرت للمرة الأولى في مجلة «مانجا العربية للشباب» عام 2022.
وتتناول القصة الضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها الشباب في منتصف العشرينيات، من خلال شخصية تحاول الموازنة بين طموحاتها وتوقعات الأسرة والاختلاف بين الأجيال، مع توظيف الخيال في بناء عالم موازٍ.
وتكتسب التجربة أهميتها من أنها تقدم مثالًا على إمكانية الجمع بين البيئة المحلية والموضوع الإنساني القابل للفهم خارجها. فالقصة لا تحتاج إلى التخلي عن هويتها حتى تصل إلى قارئ دولي؛ بل تحتاج إلى معالجة فنية تجعل شخصياتها وصراعاتها مقنعة، حتى لمن لا يعرف تفاصيل البيئة التي جاءت منها.
ومع ذلك، فإن جائزة واحدة لا تكفي للحكم على نضج الصناعة بأكملها، لكنها تقدم مؤشرًا على أن الأعمال المنتجة عربيًا يمكن أن تجد مكانًا في منافسات دولية، وأن الاستثمار في تطوير الكُتّاب والرسامين قد يثمر نتائج تتجاوز السوق المحلية.
ما الذي تحتاج إليه الصناعة خلال المرحلة المقبلة؟
تكشف التجارب السابقة أن الصناعة تتحرك في أكثر من اتجاه: تحويل الأدب المحلي إلى قصص مصورة، ودعم المبدعين الناشئين، وفتح منصات للنشر، والاستفادة من انتشار الأعمال العالمية، ومحاولة الوصول إلى جمهور دولي. غير أن نجاح هذه المسارات يعتمد على قدرتها على العمل معًا بدلًا من بقائها مبادرات منفصلة.
أول هذه المتطلبات هو وجود سوق يستطيع دعم الإنتاج المستمر؛ فالقصة التي تحقق تفاعلًا أوليًا تحتاج إلى تمويل ووقت وفريق عمل قادر على تطويرها. وثانيها ضمان حقوق المؤلفين والرسامين، لأن استمرار الإبداع يرتبط بوجود عائد عادل وفرص واضحة للنشر والتوزيع.
أما التحدي الثالث فيتمثل في بناء هوية فنية لا تقوم على تقليد المانغا اليابانية، بل تستفيد من تقنياتها مع تطوير شخصيات وحكايات نابعة من التجربة العربية. ويضاف إلى ذلك ضرورة نشر بيانات أكثر تفصيلًا عن أداء الأعمال المحلية، حتى يمكن قياس عدد القراء النشطين، ومدى استمرار السلاسل، وحجم المبيعات أو الاشتراكات حيثما توافرت.
ولا يقل عن ذلك أهمية تطوير النقد المتخصص في القصص المصورة، وتعريف القراء بأنها وسيلة سردية يمكن أن تقدم الخيال والتاريخ والتجارب الاجتماعية والإنسانية، وليست حكرًا على الأطفال أو الأبطال الخارقين.
وبين عامي 2024 وأكتوبر 2026، انتقلت النقاشات حول القصص المصورة العربية من التركيز على نشر الأعمال وتقديمها في أشكال جديدة إلى محاولة بناء مسارات أكثر تنظيمًا لاكتشاف المبدعين وإتاحة النشر أمامهم. وتكشف شهادات الكُتّاب والرسامين أن الموهبة والاهتمام الجماهيري موجودان، لكنهما لا يضمنان وحدهما قيام صناعة مستدامة.
فمن جهة، توفر الأعمال العالمية مثل «ون بيس» فرصة لتوسيع قاعدة القراء، بينما تفتح المبادرات المحلية المجال أمام تجارب جديدة. ومن جهة أخرى، تظل أسئلة التمويل واستمرار النشر وحقوق المبدعين والوصول إلى الجمهور حاسمة في تحديد مستقبل هذا القطاع.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون في عدد الأعمال المترجمة أو مرات تنزيل التطبيقات فقط، بل في ظهور سلاسل عربية أصلية يواصل القراء متابعتها، ومبدعين يستطيعون تحويل شغفهم إلى مهنة، وقصص تتمتع بالجودة والخصوصية بما يسمح لها بالوصول إلى أسواق جديدة، عندها يمكن الحديث عن صناعة لا تكتفي باستقبال الحكايات العالمية، بل تسهم هي أيضًا في إنتاج الحكايات التي يتابعها العالم.




