صناعة الخيول في البحرين.. من الإسطبلات الملكية إلى البطولات العالمية وحصد الألقاب
ربما لا يعلم الكثير أن وراء الخيول التي تتنافس على مضامير البحرين حكاية تتجاوز لحظة انطلاق السباق ووصول أول حصان إلى خط النهاية، بين لحظة الانطلاق والوصول تاريخ طويل من الاهتمام بالخيل العربية الأصيلة، وملاك يستثمرون في اقتناء الخيول وتدريبها، ومدربون وفرسان يعملون على إعدادها للمنافسات، ومؤسسات تنظم السباقات وتستقطب المشاركات الدولية.
وخلال السنوات الأخيرة، تطورت سباقات الخيل في مملكة البحرين من منافسات ذات طابع محلي إلى برنامج رياضي يستقبل خيولًا ومدربين من دول مختلفة، فيما أصبح كأس البحرين الدولي أحد أبرز الأحداث على أجندة السباقات العالمية.
وتدخل البحرين موسم 2026-2027 بمرحلة جديدة، بعدما حصل كأس البحرين الدولي على تصنيف الفئة الأولى، مع رفع قيمة جوائزه إلى مليون و500 ألف دولار، في تطور يعكس طموح المملكة إلى تعزيز مكانتها على خريطة سباقات الخيل الدولية.
البداية.. كيف دخلت سباقات الخيل تاريخ البحرين؟
ارتبطت الخيول بالحياة في البحرين منذ زمن طويل، ولا سيما الخيول العربية الأصيلة التي حظيت باهتمام متوارث لدى حكام المملكة وأهلها، حيث كانت السباقات تُقام في البداية ضمن لقاءات خاصة، وكانت الخيول المشاركة من السلالات العربية الأصيلة.
وفي عام 1948، تشكلت لجنة لتنظيم السباقات تحت مظلة واحدة، في خطوة ساعدت على الانتقال من اللقاءات المحدودة إلى تنظيم أكثر انتظامًا، بينما في عام 1977، صدر مرسوم بتأسيس نادي راشد للفروسية وسباق الخيل، ليكون الجهة الرئيسية المسؤولة عن سباقات الخيل في المملكة.
ثم شهد عام 1981 انتقالًا مهمًا مع افتتاح المنشآت الحالية للنادي في منطقة الصخير، بعد أن انتقلت السباقات من مضمار صغير في المنامة إلى مواقع أخرى، وصولًا إلى المنشأة التي أصبحت مركزًا رئيسيًا لهذه الرياضة.
ومع تطور البنية التحتية والقواعد المنظمة، أصبحت السباقات تُقام وفقا للوائح دولية، مع تنظيم مشاركة الخيول العربية والخيول المهجنة الأصيلة، وتطوير أنظمة تسجيل الخيول وترخيص الفرسان والمدربين والعاملين في الإسطبلات.

من المسؤول عن صناعة الخيول في البحرين؟
هناك أكثر من جهة مسؤولة عن صناعة الخيول والتي تتمثل في الآتي:
أولًا: نادي راشد للفروسية وسباق الخيل
يمثل نادي راشد للفروسية وسباق الخيل المظلة الرئيسية لسباقات الخيل في البحرين، ويتولى الإشراف على تطوير هذه الرياضة، فيما يتولى نادي البحرين للسباق إدارة الجوانب التنظيمية والفنية للمنافسات.
وتشمل مهام نادي البحرين للسباق تنظيم برنامج الموسم، وتطبيق قواعد السباقات، وتسجيل الخيول، وترخيص الفرسان والمسؤولين والعاملين في الإسطبلات، إلى جانب الإشراف على السجل المعتمد لأنساب الخيول.
ويتولى الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة رئاسة اللجنة العليا لنادي راشد للفروسية وسباق الخيل، بحسب المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي للنادي.
ثانيًا: الاتحاد الملكي البحريني للفروسية وسباقات القدرة
تختلف سباقات القدرة والتحمل عن سباقات المضمار؛ إذ تعتمد على قدرة الحصان والفارس على قطع مسافات طويلة وفق ضوابط فنية وبيطرية.
ويشرف الاتحاد الملكي البحريني للفروسية وسباقات القدرة على أنشطة الفروسية التي تدخل ضمن اختصاصه، بما يشمل سباقات القدرة والتحمل وقفز الحواجز.
ويترأس الاتحاد الشيخ عيسى بن عبدالله آل خليفة، وفق بياناته المنشورة، فيما يمثل سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة أحد أبرز الأسماء المرتبطة برياضات القدرة والتحمل في البحرين، بصفته قائد الفريق الملكي في المشاركات المحلية والدولية.
كأس البحرين الدولي.. السباق الذي وضع المملكة على الخريطة العالمية
إذا كانت هناك بطولة واحدة تختصر تطور سباقات الخيل البحرينية في السنوات الأخيرة، فهي كأس البحرين الدولي، الذي انطلقت نسخته الأولى عام 2019.
ويستقطب السباق خيولًا من مستويات مرتفعة، إلى جانب ملاك ومدربين وفرسان من خارج المملكة، وأصبح من أبرز الأحداث الرياضية التي تسهم في الترويج للبحرين بوصفها وجهة لسباقات الخيل.
وفي عام 2026، حصل السباق على تصنيف الفئة الأولى، وهو أعلى تصنيف دولي لسباقات الخيل المسطحة، بعد سبع سنوات فقط من انطلاقه.
ومن المقرر أن تُقام نسخة 2026 يوم الجمعة 13 نوفمبر المقبل، على مضمار نادي راشد للفروسية وسباق الخيل، لمسافة 2000 متر، بجائزة إجمالية تبلغ مليونًا و500 ألف دولار، منها 900 ألف دولار للفائز بالمركز الأول.
ولا تتوقف أهمية الحدث عند قيمة الجوائز؛ إذ يتيح للبحرين استضافة منافسات تستقطب اهتمام مجتمع سباقات الخيل العالمي، وتمنح الخيول المدربة محليًا فرصة مواجهة منافسين دوليين.
وبحسب النادي، ستُقام البطولة ضمن برنامج موسع يشمل سباقات أخرى في اليوم نفسه، من بينها كأس خليج البحرين، المخصص للخيول القادرة على المنافسة في المسافات الطويلة، بجائزة إجمالية تبلغ 400 ألف دولار.

كأس الملك وكأس ولي العهد.. محطات رئيسية في الموسم
لا يقتصر موسم السباقات البحريني على كأس البحرين الدولي، بل يتضمن عددًا من الكؤوس والبطولات التي تمثل محطات رئيسية في المنافسة المحلية والدولية.
ويأتي كأس الملك ضمن أبرز هذه المحطات، إذ يشهد منافسة بين خيول مدربة داخل البحرين وأخرى قادمة من الخارج، وفي نسخة 2026، فاز الحصان «فانتوم فلايت» بكأس الملك، الذي أُقيم في 3 أبريل، بعد منافسة قوية على مسافة 2400 متر.
وحقق الحصان الفوز بقيادة الفارس الفرنسي بنوا دي لا ساييت، وتحت تدريب جورج سكوت، لصالح إسطبل «فيكتوريوس فوريفر». وكان هذا الفوز الرابع للحصان في البحرين، والأول له في سباق من الفئة الثالثة.
أما كأس ولي العهد، فيمثل محطة مهمة أخرى في الموسم، ويستقطب مشاركات من إسطبلات محلية ودولية، كما يشمل البرنامج كأس سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، وسباقات أخرى تتفاوت في المسافات والفئات والجوائز.
أشهر الخيول التي صنعت قصصًا في البحرين
لا تُقاس شهرة الخيول بعدد السباقات التي تخوضها فقط، بل بما تحققه من نتائج، وبمستوى المنافسين الذين تواجههم، وبقدرتها على إثبات نفسها في أكثر من بطولة.
ومن بين الأسماء التي برزت في سباقات البحرين خلال السنوات الأخيرة:
رويال تشامبيون.. بطل كأس البحرين الدولي 2025
حقق الحصان «رويال تشامبيون» الفوز بكأس البحرين الدولي في 14 نوفمبر 2025، بقيادة الفارس جيمس دويل، وتحت تدريب كارل بيرك، لصالح المالك الشيخ محمد عبيد آل مكتوم.
وجاء الفوز بعد منافسة قوية مع الحصان «جالين»، الذي ظل متقدمًا خلال جانب كبير من السباق، قبل أن ينجح رويال تشامبيون في تنفيذ هجومه المتأخر وحسم النتيجة.
واكتسب الانتصار أهمية إضافية لأنه منح المدرب كارل بيرك أول فوز له في سباق كبير خارج أوروبا، كما مثّل أكبر انتصار في مسيرة الحصان حتى ذلك الوقت.
فانتوم فلايت.. من سلسلة البحرين إلى الكؤوس الكبرى
بينما يمثل «فانتوم فلايت» نموذجًا للحصان الذي استطاع الانتقال من المنافسة في سباقات سلسلة البحرين إلى الفوز ببطولات أكبر.
وفي 3 أبريل 2026، حقق فوزًا بارزًا في كأس الملك، بقيادة الفارس بنوا دي لا ساييت، وتحت تدريب جورج سكوت، لصالح إسطبل «فيكتوريوس فوريفر».
وجاء الانتصار بعد إعداد فني ركز على الاستفادة من قدرات الحصان على المسافات الطويلة، مع اختيار توقيت مناسب للهجوم في المراحل الأخيرة من السباق.
وتوضح تجربته كيف يمكن للخيول التي تثبت قدرتها في السباقات المتوسطة والطويلة أن تتقدم إلى منافسات أكبر، عندما تتوافر لها الجاهزية المناسبة والإدارة الفنية الجيدة.
كاليف.. اسم بارز في المشاركات الدولية
يُعد الخيل «كاليف» من الخيول المعروفة المرتبطة بسباقات البحرين الدولية، وقد حقق فوزًا في سباق من الفئة الأولى في ألمانيا عام 2024.
وفي فبراير 2026، عاد إلى منصة التتويج عندما فاز بكأس سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، وهو سباق مصنف ضمن فئة السباقات المدرجة، بعد منافسة مع الحصان «بدوين برنس».
وكان هذا الفوز لافتًا لأنه مثّل أول انتصار لكاليف في البحرين، رغم شهرته بوصفه أحد الخيول التي مثلت المملكة في مشاركات خارجية.
سبيريت دانسر.. بطل نسختين من كأس البحرين الدولي
حقق «سبيريت دانسر» الفوز بكأس البحرين الدولي في عامي 2023 و2024، ليصبح أول حصان يحرز اللقب مرتين.
وكان فوزه الثاني لافتًا بصورة خاصة، إذ عزز مكانة السباق بوصفه وجهة تجذب الخيول الدولية ذات السجلات القوية، كما رفع من اهتمام الملاك والمدربين بالمشاركة في النسخ التالية.
ويرتبط الحصان بمالكَين، أحدهما السير أليكس فيرغسون، مدرب كرة القدم السابق، إلى جانب غيد ماسون وبيتر دون، فيما يتولى تدريبه ريتشارد فاهي.
آيل أوف جورا.. أربعة انتصارات خلال موسم واحد في البحرين
وفي السياق ذاته، برز «آيل أوف جورا» خلال موسم 2023-2024، عندما حقق أربعة انتصارات خلال إقامته في البحرين، واختتم تلك الفترة بالفوز بكأس الملك عام 2024.
وتُظهر تجربته كيف يمكن للموسم البحريني أن يمثل محطة مهمة في مسيرة حصان دولي، لا سيما عندما تتناسب المسافات وظروف السباقات مع قدراته.
وفي موسم 2026-2027، أعلن النادي توسيع السلسلة لتشمل فئة مخصصة لمسافة الميل، إلى جانب سباقات السرعة والمسافات المتوسطة، بما يتيح فرصًا أوسع للخيول ذات القدرات المختلفة.
من يملك الخيول؟ ومن يدربها؟ ومن يقودها إلى خط النهاية؟
وراء كل حصان يحقق الفوز فريق متكامل، يبدأ بالمالك الذي يتحمل تكاليف الاقتناء والرعاية والمشاركة، ويمر بالمدرب المسؤول عن إعداد الحصان وتحديد السباقات المناسبة له، وينتهي بالفارس الذي ينفذ الخطة الفنية داخل المضمار.
وتبرز في البحرين إسطبلات وملاك معروفون، من بينهم إسطبل المحمدية للسباقات، وإسطبل فيكتوريوس، وإسطبل العاديات، إلى جانب مشاركات مؤسسات دولية مثل جودلفين.
وفي موسم 2024-2025، احتفظ إسطبل المحمدية بلقب أفضل الملاك من حيث عدد الانتصارات، بعدما حقق 48 فوزًا، وفق إحصاءات نادي البحرين للسباق.
أما في فئة المدربين، فقد استعاد ألان سميث لقب أفضل مدرب في الموسم نفسه، بعدما حقق 54 فوزًا، متقدمًا على فوزي ناس الذي سجل 35 فوزًا.
وفي فئة الفرسان، حقق الفارس البحريني إبراهيم نادر لقب أفضل فارس للموسم الثاني على التوالي في موسم 2025-2026، بعدما أنهى الموسم بـ47 فوزًا، وفق الإعلان الرسمي الصادر في أبريل 2026.
ماذا يحدث داخل الإسطبل قبل السباق؟
تبدأ المنافسة قبل دخول المضمار بوقت طويل؛ إذ يحتاج الحصان إلى برنامج تدريب يتناسب مع عمره وبنيته وقدرته على تحمل المسافات، ويشمل الإعداد متابعة الحالة الصحية، والتغذية، واللياقة، وفترات الراحة، والتدريب على السرعة والتحمل، إلى جانب تقييم أداء الحصان في مشاركاته السابقة.
ويعمل المدرب على تحديد نوع السباق والمسافة الأنسب، فيما يتابع الفريق البيطري الحالة الصحية للحصان، ويؤدي الفارس دورًا مهمًا في تنفيذ الخطة خلال المنافسة، ولا يقتصر الإسطبل على أنه مجرد مكان لإيواء الخيول، بل يمثل مركزًا لإدارة التدريب والرعاية والتخطيط الرياضي.
موسم 2026-2027.. إلى أين تتجه صناعة الخيول؟
تشير تطورات الموسم الجديد إلى استمرار توجه البحرين نحو توسيع حضورها في سباقات الخيل الدولية، من خلال زيادة قيمة الجوائز، وتطوير برنامج السباقات، واستقطاب خيول ومدربين من خارج المملكة.
ويشهد الموسم 30 اجتماعًا للسباقات، من أواخر أكتوبر 2026 حتى أبريل 2027، على مضمار نادي راشد للفروسية وسباق الخيل.
ويأتي كأس البحرين الدولي في 13 نوفمبر 2026 بوصفه أبرز محطات الموسم، بعد ترقيته إلى الفئة الأولى، فيما تتضمن الخطة توسيع سلسلة البحرين للسباقات وإضافة كأس خليج البحرين للمسافات الطويلة.
كما أسهم إدخال الإضاءة على المضمار في السنوات الأخيرة في إتاحة تنظيم سباقات مسائية، إلى جانب تحسين تجربة الجمهور وتطوير المنشآت.




