«لم يكن التمثيل حلمه الأول».. أحمد مظهر من سلاح الفرسان إلى عرش السينما
كتبت: سمر عبد الرؤوف
لم يكن الطريق إلى النجومية هو الحلم الأول للفنان أحمد مظهر، ولم يبدأ مشواره من مسرح أو استوديو، وإنما من ساحات الفروسية والكلية الحربية. الرجل الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز نجوم السينما المصرية، كان ضابطًا في الجيش المصري، وشارك في حرب فلسطين، وتولى قيادة مدرسة الفروسية، وجمعته صداقة بزملاء دفعته جمال عبد الناصر وأنور السادات، قبل أن يجد نفسه أمام قرار غيّر مسار حياته بالكامل: هل يبقى في المؤسسة العسكرية أم يختار الفن؟
وفي ذكرى رحيله، تعود حكاية «فارس السينما» أحمد مظهر، ليس فقط باعتباره صاحب أدوار خالدة مثل «الناصر صلاح الدين» و«دعاء الكروان» و«رد قلبي»، وإنما باعتباره شخصية استثنائية جمعت بين العسكرية والفروسية والثقافة والسينما، واحتفظت حتى النهاية بقدر كبير من الاعتزاز بالانضباط وأخلاق الفرسان.
أحمد مظهر.. ابن العباسية الذي بدأ حياته بعيدًا عن السينما
وُلد أحمد مظهر في 8 أكتوبر 1917 بحي العباسية في القاهرة، ونشأ في أسرة ميسورة اهتمت بتعليمه وهواياته، وكان والده من محبي الفروسية والرماية، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في شخصية ابنه منذ الصغر.
لم يكن الشاب أحمد مظهر يتعامل مع ركوب الخيل باعتباره هواية عابرة، وإنما أصبح جزءًا من شخصيته وتكوينه، حتى تحولت الفروسية فيما بعد إلى الباب الذي قاده إلى السينما دون أن يخطط لذلك.
وكان من هواياته أيضًا الرسم والاستماع إلى الموسيقى، كما عُرف بحبه للنباتات والورود والحيوانات، وهي جوانب تكشف شخصية مختلفة تمامًا عن الصورة التي ارتبطت به باعتباره «الجنرال» و«الفارس».
وتذكر بوابة «عاش هنا» التابعة للجهاز القومي للتنسيق الحضاري أنه كان يحب تربية الحيوانات والاستماع إلى أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم خلال فترة دراسته، كما جذبت كتب الفروسية والبطولات والملاحم اهتمامه في سن مبكرة.
زميل جمال عبد الناصر وأنور السادات في الكلية الحربية
التحق أحمد مظهر بالكلية الحربية، وتخرج عام 1938، في دفعة ضمت أسماء أصبحت فيما بعد من أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخ مصر الحديث، من بينها جمال عبد الناصر وأنور السادات.
وبعد التخرج التحق بسلاح المشاة، ثم انتقل إلى سلاح الفرسان، وهناك وجد نفسه في البيئة التي تتناسب بدرجة كبيرة مع عشقه القديم للخيل والفروسية.
شارك مظهر في حرب فلسطين عام 1948، وكانت تجربته العسكرية واحدة من أهم المحطات التي شكلت شخصيته، قبل أن يتجه بعد ذلك إلى عالم الفن.
ووصل في مسيرته العسكرية إلى رتبة عقيد، وتولى قيادة مدرسة الفروسية، وهي المكان الذي ارتبط به اسمه قبل أن يرتبط بالسينما.
السر وراء لقب «فارس السينما»
لم يحصل أحمد مظهر على لقب «فارس السينما» بسبب أدواره التاريخية فقط، وإنما لأن الفروسية كانت بالفعل جزءًا من حياته قبل الشهرة.
وكانت المفارقة أن هذه الهواية نفسها هي التي جعلت المخرج إبراهيم عز الدين يلتفت إليه.
فأثناء التحضير لفيلم «ظهور الإسلام» عام 1951، كان المخرج يبحث عن فرسان يجيدون ركوب الخيل، فلفت أحمد مظهر الانتباه بوسامته ومهارته على ظهر الحصان، ليُسند إليه دور في الفيلم.
وهكذا دخل مظهر عالم السينما من الباب الذي لم يكن يخطط أصلًا للدخول منه: الحصان وليس حلم التمثيل.
وكان الفيلم مأخوذًا عن قصة «الوعد الحق» للأديب الدكتور طه حسين، ليصبح ذلك الظهور الأول لمظهر على الشاشة.
مفاجأة «رد قلبي».. الفيلم الذي وضعه أمام الاختيار الأصعب
بعد تجربته الأولى، لم يتحول أحمد مظهر إلى ممثل متفرغ، بل عاد إلى حياته العسكرية.
لكن الأديب يوسف السباعي، الذي كان زميلًا له في سلاح الفرسان، رأى فيه إمكانات فنية كبيرة، ورشحه لدور الأمير علاء في فيلم «رد قلبي».
وهنا بدأت الأزمة الحقيقية.
فقد حصل مظهر على فرصة للمشاركة في الفيلم، لكنه واجه مشكلة تتعلق بموافقات المؤسسة العسكرية، وبعد بدء التصوير وجد نفسه أمام خيار صعب بين الاستمرار في الجيش أو التفرغ للسينما.
وفي النهاية اختار الفن، وقدم شخصية الأمير علاء، رغم أن الشخصية نفسها كانت بعيدة عن قناعاته الشخصية.
واللافت أن نجاحه في «رد قلبي» أثبت أن قرار ترك الجيش لم يكن مجرد مغامرة، وإنما بداية مرحلة جديدة في تاريخ السينما المصرية.
علاقة خاصة بجمال عبد الناصر.. وموقف كشف معدن أحمد مظهر
من أكثر الجوانب إثارة في حياة أحمد مظهر علاقته بجمال عبد الناصر.
لم يكن ناصر بالنسبة إليه مجرد رئيس دولة، وإنما زميل دفعة وصديقًا قديمًا، وعاشا معًا سنوات الدراسة العسكرية.
وتذكر مصادر صحفية أن بعض الاجتماعات التحضيرية للضباط الأحرار كانت تُعقد في منزل أحمد مظهر، كما ارتبط اسمه في تلك المرحلة بعدد من الشخصيات العسكرية التي لعبت أدوارًا مهمة في تاريخ مصر.
لكن علاقة مظهر بعبد الناصر لم تمنعه من اتخاذ موقف شخصي بعد سنوات، يكشف جانبًا من شخصيته التي كانت تضع الصداقة والوفاء في مكانة خاصة.
لماذا رفض أحمد مظهر «الكرنك»؟
من أشهر المواقف التي تكشف شخصية أحمد مظهر خارج الشاشة، رفضه المشاركة في فيلم «الكرنك» عام 1975.
كان المخرج علي بدرخان قد عرض عليه دور خالد صفوان، وبعد قراءة السيناريو اعتذر مظهر عن المشاركة.
السبب لم يكن ضعف الدور أو عدم اقتناعه بالفيلم من الناحية الفنية، وإنما موقف شخصي من تناول الفيلم لفترة حكم جمال عبد الناصر.
فبحسب ما نُقل عن الواقعة، رأى مظهر أنه قد يختلف سياسيًا مع عبد الناصر، لكنه كان زميل دفعته وصديقه، ولذلك لم يرغب في المشاركة في عمل يهاجم سياسته بعد وفاته.
وبذلك ظهر «الفارس» في موقفه الشخصي كما ظهر في أفلامه؛ فبالنسبة إليه كان للوفاء قواعد لا تتغير بتغير الظروف. وأسند الدور في النهاية إلى الفنان كمال الشناوي.
«الناصر صلاح الدين».. الدور الذي أصبح جزءًا من اسمه
إذا كان «رد قلبي» قد فتح أمام أحمد مظهر باب النجومية، فإن «الناصر صلاح الدين» وضعه في منطقة أخرى تمامًا.
قدم مظهر شخصية صلاح الدين الأيوبي في فيلم يوسف شاهين، وأصبح الدور واحدًا من أشهر الشخصيات التاريخية التي جسدها ممثل مصري على الشاشة.
لكن المفاجأة أن مظهر لم يكن الاختيار الأول للدور.
كان رشدي أباظة مرشحًا في البداية، إلا أن انسحابه من العمل بعد انسحاب المخرج عز الدين ذو الفقار أدى إلى انتقال البطولة إلى أحمد مظهر، الذي أصبح بعد ذلك مرتبطًا بشخصية صلاح الدين في ذاكرة الجمهور.
سر موقفه من أجر «الناصر صلاح الدين»
من الكواليس اللافتة التي تكشف مدى ارتباطه بالفيلم، أن مدة تصوير «الناصر صلاح الدين» طالت لأكثر من عام ونصف، ومع ذلك لم يطالب مظهر برفع أجره رغم زيادة مدة العمل، وفق ما ورد في شهادات صحفية عنه.
وكان الفيلم بالنسبة إليه من أقرب الأعمال إلى قلبه، وربما لهذا السبب لم يتعامل معه باعتباره مجرد عمل تجاري، وإنما مشروعًا فنيًا كبيرًا يستحق التضحية بالوقت والجهد.
رشدي أباظة «أهداه» أيضًا دورًا في «دعاء الكروان»
لم تكن حكاية رشدي أباظة وأحمد مظهر مرتبطة فقط بـ«الناصر صلاح الدين».
فقد كان أباظة مرشحًا لدور المهندس في «دعاء الكروان»، لكنه اعتذر عن الفيلم بعد ارتباطاته بأعمال أخرى، لينتقل الدور إلى أحمد مظهر.
وهكذا أصبح مظهر بطلًا أمام فاتن حمامة في واحد من أهم أفلام السينما المصرية، في شخصية مختلفة تمامًا عن الشخصيات التاريخية التي ارتبط بها اسمه.
والمفارقة أن الدور الذي اعتذر عنه رشدي أباظة أصبح من علامات أحمد مظهر الفنية.
أحمد مظهر ونجيب محفوظ.. صداقة من «شلة الحرافيش»
خارج السينما، كان أحمد مظهر قريبًا من عالم الأدب والثقافة، وكانت تجمعه علاقة قوية بالأديب العالمي نجيب محفوظ.
وتكشف الصفحة الرسمية لمشروع «عاش هنا» أن مظهر كان أحد أعضاء «شلة الحرافيش»، بل إن نجيب محفوظ ذكر في مذكراته أن أحمد مظهر كان من مؤسسي هذه المجموعة، وأنه هو صاحب تسمية «الحرافيش».
وهذه المعلومة تكشف جانبًا ربما لا يعرفه كثيرون عن الفنان؛ فهو لم يكن مجرد نجم وسيم يجيد ركوب الخيل، وإنما كان حاضرًا في دوائر الأدب والثقافة، وقريبًا من واحد من أهم أدباء القرن العشرين.
الفنان الذي كان يعشق الورد والنباتات النادرة
من أغرب التناقضات في شخصية أحمد مظهر أنه كان يجمع بين أشياء تبدو للوهلة الأولى متباعدة تمامًا.
فالفنان الذي عرفه الجمهور وهو يحمل السلاح أو يمتطي الخيل، كان في حياته الخاصة عاشقًا للورد والنباتات.
وفي لقاء تلفزيوني نادر تحدث عن محاولته زراعة أنواع مختلفة من الورود، بل إنه فكر في تحويل هذا الاهتمام إلى مشروع تجاري، لكنه لم ينجح في ذلك بسبب الأسعار التي عرضها عليه مورّدو التصدير.
وبعد رحيله، تحولت حديقة منزله إلى جزء من الإرث المرتبط به، إذ قام نجله المهندس شهاب بتحويلها إلى مركز للبحث العلمي، وكانت تضم أكثر من 3500 نوع من الأشجار والنباتات النادرة، وفق ما ذكرته الجزيرة.
من السلاح إلى الكاميرا.. ولم يفقد شخصية الضابط
ربما كان سر تميز أحمد مظهر أنه لم يحاول التخلص من شخصيته القديمة عندما دخل السينما.
ظل الانضباط العسكري حاضرًا في طريقة عمله، كما ظلت الفروسية جزءًا من صورته، وظهر ذلك بوضوح في أدواره التاريخية والوطنية.
وفي الوقت نفسه لم يحبس نفسه داخل شخصية واحدة؛ فقدم الرومانسية والدراما والكوميديا والشخصيات المركبة، وظهر في أعمال مثل «الأيدي الناعمة» و«لصوص لكن ظرفاء» و«القاهرة 30» و«دعاء الكروان» وغيرها.
وتشير المصادر إلى أن رصيده الفني تجاوز 90 فيلمًا، بينما تحصي بعض المصادر أعماله السينمائية والتليفزيونية والمسرحية والإذاعية بأرقام أكبر، بحسب طريقة احتساب الأعمال.
أحمد مظهر المخرج.. تجربة لم تكتمل
لم يكتفِ أحمد مظهر بالتمثيل، وإنما دخل أيضًا عالم التأليف والإخراج.
قدم فيلم «نفوس حائرة» مؤلفًا ومخرجًا ومنتجًا، كما خاض تجربة الإخراج في «حبيبة غيري».
لكن هذه التجربة لم تتحول إلى مسار دائم في حياته، فعاد إلى التمثيل، المجال الذي صنع فيه اسمه الأكبر.
لماذا ظل أحمد مظهر مختلفًا عن نجوم جيله؟
ربما لأن بدايته لم تكن سينمائية من الأساس.
فهو لم يدخل الفن شابًا يبحث عن الشهرة، وإنما دخل السينما بعدما صنع لنفسه مسيرة مختلفة بالفعل داخل الجيش.
كان ضابطًا، وفارسًا، ومحاربًا، ومثقفًا، وصديقًا لأسماء بارزة في السياسة والأدب، ثم أصبح واحدًا من أهم نجوم الشاشة.
ولهذا كان انتقاله إلى السينما أشبه بانتقال شخصية مكتملة إلى مجال جديد، وليس صناعة شخصية من الصفر.
رحيل فارس السينما
في سنواته الأخيرة عانى أحمد مظهر من مشكلات صحية، وتحديدًا ضيق التنفس، قبل أن يرحل في 8 مايو 2002 عن عمر ناهز 84 عامًا.
رحل الرجل الذي بدأ حياته العسكرية بعيدًا عن أضواء الشهرة، لكنه ترك خلفه واحدًا من أكثر المسارات تنوعًا في تاريخ السينما المصرية.
وظلت صورته مرتبطة بالفروسية، حتى أصبح اسمه ولقبه متلازمين: أحمد مظهر.. فارس السينما المصرية.
لم يكن التمثيل حلم أحمد مظهر الأول، وربما كانت هذه هي المفارقة الأجمل في حكايته؛ فقد دخل السينما من باب الفروسية، بعدما قضى سنوات من عمره ضابطًا في الجيش المصري، وشارك في حرب فلسطين، وعاش وسط جيل من الضباط الذين أصبحوا فيما بعد من أهم رجال الدولة.
ومن «ظهور الإسلام» إلى «رد قلبي»، ومن «دعاء الكروان» إلى «الناصر صلاح الدين»، استطاع أحمد مظهر أن يحول خبرته في الحياة العسكرية والفروسية إلى حضور فني خاص، قبل أن يثبت أنه ليس مجرد «فارس» يؤدي الأدوار التاريخية، وإنما ممثل قادر على الانتقال بين الرومانسية والكوميديا والدراما والشخصيات المركبة.
ويبقى من أسرار سيرته أن الرجل الذي حمل السلاح وأتقن ركوب الخيل كان في الوقت نفسه عاشقًا للورد والنباتات، وصديقًا لنجيب محفوظ، وعضوًا في «شلة الحرافيش»، وصاحب موقف واضح في علاقاته الإنسانية والسياسية.
وهكذا لم يصنع أحمد مظهر مجده في السينما فقط، وإنما ترك وراءه شخصية تصلح وحدها لأن تكون فيلمًا طويلًا عن رجل انتقل من سلاح الفرسان إلى عرش السينما، دون أن يفقد في أي مرحلة أخلاق الفارس.
اقرأ أيضاً..
أخر تطورات العلاقات الإثيوبية المصرية.. تصعيد دبلوماسي وأزمة سد النهضة
«لم يكن التمثيل حلمه الأول».. أحمد مظهر من سلاح الفرسان إلى عرش السينما




