مهرجان البحرين الدولي للموسيقى يحتفي بالفنون الشعبية.. حكاية دور الصوت في حفظ الذاكرة الوطنية

كتبت: سمر عبد الرؤوف 

تعود الفنون الشعبية البحرينية إلى واجهة المشهد الثقافي مع استمرار فعاليات مهرجان البحرين الدولي للموسيقى في نسخته الخامسة والثلاثين، الذي تنظمه هيئة البحرين للثقافة والآثار، مقدمًا مساحة للاحتفاء بالأغاني والإيقاعات التي ارتبطت بتاريخ المجتمع وحياة أفراده، من مواسم الغوص وصيد اللؤلؤ إلى المناسبات الاجتماعية والتجمعات الشعبية. ولا تقتصر أهمية هذه الفنون على قيمتها الموسيقية، بل تمتد إلى ما تحمله من حكايات وتجارب إنسانية تساعد على نقل الذاكرة الوطنية من جيل إلى آخر.

وتبرز الدور والفرق الشعبية المشاركة في المهرجان باعتبارها حاضنات حية لهذا التراث، حيث تواصل تقديم ألوان موسيقية تقليدية أمام الجمهور، في محاولة للحفاظ على حضورها في الحياة المعاصرة، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للتعرف إلى جذورها الثقافية من خلال الصوت والإيقاع والأداء الجماعي.

مهرجان البحرين الدولي للموسيقى يحتفي بالفنون الشعبية.. حكاية دور الصوت في حفظ الذاكرة الوطنية

يواصل مهرجان البحرين الدولي للموسيقى الاحتفاء بالفنون الشعبية في إطار جهود هيئة البحرين للثقافة والآثار لصون الموروث الموسيقي وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي. وتشهد النسخة الخامسة والثلاثون مشاركة عدد من الدور والفرق التي ارتبطت بتاريخ الفنون التقليدية في المملكة، وتعمل على تقديمها للجمهور بصيغتها المتوارثة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الأيام» البحرينية في 19 أكتوبر 2026، تتواصل أمسيات الفنون الشعبية خلال أكتوبر ونوفمبر، بمشاركة فرق وبيوت موسيقية من بينها دار الرفاع العودة ودار بن حربان ودار شباب الرفاع وفرقة إسماعيل دواس ودار البديع الجنوبية، بعد عروض قدمتها دار قلالي للفنون الشعبية ودار الرفاع الصغيرة وفرقة شباب الحد.

ويمكن الاطلاع على تفاصيل الفعاليات من خلال تقرير صحيفة الأيام عن استمرار الفنون الشعبية البحرينية في مهرجان البحرين الدولي للموسيقى.

وتعكس هذه المشاركة تنوع الألوان الموسيقية المحلية، وتؤكد أن التراث ليس مجرد مادة تستعاد في المناسبات، بل ممارسة ثقافية تستمر من خلال العزف والغناء والتدريب والتجمعات التي تحفظ تفاصيل الأداء التقليدي.

فن الصوت البحريني.. حكاية تتجاوز اللحن والكلمات

يحتل فن الصوت مكانة مهمة في التراث الموسيقي البحريني والخليجي، إذ يجمع بين الشعر والغناء والإيقاعات والآلات التقليدية، ويقدم نموذجًا للطرب الذي تشكل عبر التفاعل بين الثقافات والتجارب الموسيقية في المنطقة.

وقد ارتبط هذا الفن تاريخيًا بمدينة المحرق، التي كانت مركزًا مهمًا لتطوره وانتشاره، وأسهمت دور الغناء الشعبي في الحفاظ على أساليبه وتقديمه للجمهور. ومن الأسماء التي ارتبطت بتاريخه في البحرين محمد بن فارس وضاحي بن وليد ومحمد زويد، الذين أسهموا في ترسيخ حضوره ضمن المشهد الموسيقي المحلي.

وتكمن قيمة فن الصوت في قدرته على الاحتفاظ بملامح من البيئة التي نشأ فيها، سواء من خلال طريقة الأداء أو البناء الموسيقي أو القصائد التي تُغنى ضمنه. لذلك، فإن استمراره لا يعني الحفاظ على لحن بعينه فقط، بل صون معرفة فنية تراكمت عبر أجيال من المغنين والعازفين والممارسين.

وقد خصصت هيئة البحرين للثقافة والآثار مساحة لهذا الفن في دورات سابقة من المهرجان، من بينها النسخة الثانية والثلاثون عام 2023، التي احتفت بفن الصوت من خلال أمسية شاركت فيها فرقة البحرين للموسيقى وعدد من الفنانين البحرينيين.

الفنون البحرية.. عندما يتحول صوت البحارة إلى ذاكرة وطنية

لا يمكن قراءة تاريخ الموسيقى الشعبية في البحرين بمعزل عن العلاقة الطويلة بين المجتمع والبحر، فقد ارتبطت مجموعة من الفنون التقليدية بحياة البحارة والغواصين الذين عملوا في الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، وهي مهنة تركت أثرًا عميقًا في تاريخ المنطقة واقتصادها وثقافتها.

ومن أبرز هذه الفنون الفجري، الذي ارتبط تقليديًا بحياة الغوص، واعتمد على الأداء الجماعي والإيقاعات التي تمنح الأغاني طابعها المميز. وتستعيد هذه الأعمال جانبًا من الحياة البحرية القديمة، بما فيها من مشقة العمل والتعاون بين البحارة والتطلع إلى العودة من رحلات البحر.

وتقدم فرقة قلالي للفنون الشعبية نموذجًا لاستمرار هذا الموروث، إذ يعود تاريخها إلى أكثر من قرن، وترتبط نشأتها بتجمعات أهل قرية قلالي في المحرق، حيث كان البحارة يجتمعون لأداء الأغاني والرقصات والإيقاعات المرتبطة بحياتهم.

وقد شهدت النسخة الخامسة والثلاثون من المهرجان أمسية لدار قلالي في دار المحرق، قدمت خلالها فن الفجري وألوانًا مرتبطة به، من بينها الجرحان والتنزيلة والنهمة.

ولمزيد من المعلومات عن هذا اللون الموسيقي، يمكن الرجوع إلى التعريف بفرقة قلالي للفنون الشعبية وتراث الفجري.

وتكتسب هذه الفنون أهمية تتجاوز الجانب الفني، لأنها تتيح للأجيال الحالية التعرف إلى طبيعة الحياة البحرية التقليدية، وفهم الدور الذي أداه الغناء الجماعي في تشكيل التجربة اليومية للبحارة.

الدور الشعبية.. أكثر من أماكن للعزف والغناء

تمثل الدور الشعبية في البحرين جزءًا مهمًا من البيئة التي حافظت على استمرارية الفنون التقليدية، فهي ليست مجرد أماكن لإقامة العروض، بل فضاءات تجمع الممارسين والجمهور حول أنماط فنية تتطلب التعلّم والممارسة والتوارث.

وتظهر أهمية هذه الدور في قدرتها على إبقاء الفنون الشعبية ضمن الحياة الاجتماعية، من خلال المشاركة في المناسبات والاحتفالات والتجمعات التي تسمح للأجيال الجديدة بمشاهدة الأداء التقليدي والتعرف إلى تفاصيله.

ومن بين النماذج التي يسلط المهرجان الضوء عليها دار بن حربان، التي تأسست في المحرق في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وتقدم ألوانًا من الفنون الشعبية، من بينها العرضة والخماري والفجري.

كما تواصل دار الرفاع العودة تقديم مجموعة من الفنون التقليدية، فيما تسهم دار شباب الرفاع وفرقة إسماعيل دواس ودار البديع الجنوبية في الحفاظ على ألوان مختلفة من الموروث الموسيقي البحريني.

وتمنح مشاركة هذه الجهات في المهرجان الجمهور فرصة للتعرف إلى تنوع التجارب المحلية، واكتشاف الفروق بين الفنون المرتبطة بالبحر وتلك التي تؤدى في المناسبات الاجتماعية والاحتفالية.

العرضة والليوة والسامري.. تنوع الإيقاعات يعكس ثراء التراث

تتنوع الفنون الشعبية البحرينية بين أنماط غنائية وإيقاعية متعددة، لكل منها خصائصه المرتبطة بطريقة الأداء والآلات المستخدمة والسياقات الاجتماعية التي يظهر فيها.

وتبرز العرضة باعتبارها أحد ألوان الأداء الجماعي التي ترتبط بالمناسبات والاحتفالات، بينما تمثل الليوة لونًا موسيقيًا وإيقاعيًا له حضوره في المشهد الشعبي الخليجي، وتكشف ألوان مثل السامري والمجيلسي والمروبع عن تعدد أشكال الغناء والتعبير الموسيقي في المنطقة.

ولا يعني هذا التنوع أن جميع الفنون تؤدي الوظيفة نفسها؛ فبعضها يرتبط بالمناسبات الاجتماعية، وبعضها يتصل بالبيئة البحرية، فيما تتشكل ألوان أخرى حول التجمعات الشعبية والتقاليد المحلية.

ويتيح جمع هذه الفنون في إطار مهرجان واحد فرصة للتعرف إلى خصائصها المختلفة، بدلًا من النظر إلى الموسيقى الشعبية باعتبارها قالبًا واحدًا متشابهًا.

كما يساعد تقديمها على خشبات العرض وفي الدور الشعبية على توثيق حضورها في الحياة المعاصرة، وإبراز ما تحمله من معرفة فنية تراكمت عبر الممارسة والتجربة.

كيف تحفظ الأغاني الشعبية الذاكرة الوطنية؟

تعمل الأغاني الشعبية بوصفها وسيلة لحفظ التجارب الإنسانية ونقلها، إذ تحمل الكلمات والإيقاعات إشارات إلى طبيعة الحياة والعمل والعلاقات الاجتماعية والقيم التي شكلت وجدان المجتمعات عبر الزمن.

وفي الحالة البحرينية، تمنح الأغاني المرتبطة بالبحر والغوص فرصة لاستعادة جانب من تاريخ المجتمع قبل التحولات الاقتصادية الحديثة، بينما تعكس الفنون المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية صورًا من الحياة اليومية والتقاليد المتوارثة.

ويختلف حفظ الذاكرة من خلال الموسيقى عن التوثيق المكتوب؛ فالأغنية لا تنقل معلومة فقط، بل تستعيد أيضًا نبرة الصوت وإيقاع الأداء وطريقة اجتماع المشاركين، وهي عناصر تساعد على إبقاء التجربة الثقافية حاضرة في الوجدان.

وتزداد أهمية هذه الوظيفة عندما تنتقل الفنون من جيل إلى آخر من خلال التدريب والممارسة المباشرة، بدلًا من الاكتفاء بتسجيلها أو عرضها في مواد أرشيفية.

ومن هنا، فإن استمرار الدور الشعبية والفرق المحلية يمثل جزءًا من عملية أوسع لحفظ التراث غير المادي، تقوم على مشاركة المجتمع نفسه في صيانة الفنون وتقديمها وتطوير طرق التعريف بها.

الجيل الجديد أمام مسؤولية نقل التراث

يطرح استمرار الفنون الشعبية سؤالًا مهمًا حول كيفية جذب الشباب إلى الموروث الموسيقي في وقت تتعدد فيه مصادر الترفيه وتتغير فيه أنماط الاستماع إلى الموسيقى.

ولا تتطلب المحافظة على التراث عزله عن الحياة المعاصرة، بل يمكن أن تبدأ بتقديمه بأساليب تتيح للجمهور فهم سياقه التاريخي والفني، وتشجع المهتمين على التعرف إلى الآلات والإيقاعات وطرق الأداء.

وتؤدي المهرجانات الثقافية دورًا في هذا الاتجاه، لأنها تجمع بين العرض المباشر والتعريف بالفنون، وتتيح للجمهور مشاهدة الأداء بدلًا من التعرف إليه من خلال المعلومات المكتوبة فقط.

كما أن استمرار الفرق الشعبية وتوفير فرص التدريب للممارسين الشباب يساعدان على نقل الخبرة الفنية، بما يشمل تفاصيل الأداء التي يصعب الحفاظ عليها من خلال التسجيل وحده.

ومن المهم كذلك أن يستمر توثيق الأغاني والروايات المرتبطة بها، والتعريف بأسماء الفنانين والممارسين الذين أسهموا في تطويرها، حتى تتمكن الأجيال القادمة من فهم التراث بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، لا مجرد مجموعة من الألحان القديمة.

مهرجان البحرين الدولي للموسيقى.. مساحة تجمع التراث والتنوع الثقافي

انطلق مهرجان البحرين الدولي للموسيقى للمرة الأولى عام 1992، وأصبح عبر دوراته مساحة لالتقاء الموسيقيين والفنانين من البحرين ودول أخرى، وتقديم أنماط مختلفة من الموسيقى التقليدية والمعاصرة.

وتنظم هيئة البحرين للثقافة والآثار النسخة الخامسة والثلاثين عام 2026، ببرنامج يجمع بين عروض دولية وأمسيات تحتفي بالموروث الموسيقي البحريني.

ويمنح هذا التنوع المهرجان فرصة للجمع بين الحفاظ على الخصوصية المحلية والانفتاح على تجارب موسيقية أخرى، بما يعزز الحوار الثقافي ويتيح للجمهور التعرف إلى أنماط مختلفة من التعبير الفني.

وفي الوقت نفسه، يبرز حضور الدور والفرق الشعبية أهمية دعم الممارسات التي تحفظ التراث داخل المجتمع، إذ لا تتحقق استدامة الفنون التقليدية بمجرد تنظيم عروض موسمية، بل تحتاج إلى استمرار الممارسة والتدريب والتوثيق والتعريف بها.

وتشير استمرارية المهرجان إلى أهمية الموسيقى بوصفها جزءًا من الحياة الثقافية البحرينية، وإلى إمكانية توظيف الفعاليات الفنية في تعزيز الوعي بقيمة الموروث المحلي وإيصاله إلى جمهور أوسع.

يؤكد مهرجان البحرين الدولي للموسيقى أن الفنون الشعبية ليست مجرد ألحان وإيقاعات من الماضي، بل ذاكرة حية تختزن تجارب المجتمع وتاريخه وعلاقته بالبحر والعمل والمناسبات الاجتماعية. فمن فن الصوت إلى الفجري والعرضة والليوة، تواصل الفرق والدور الشعبية تقديم ألوان فنية تشكل جزءًا من الهوية الثقافية البحرينية، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى جذورها.

وهكذا، فإن مهرجان البحرين الدولي للموسيقى يحتفي بالفنون الشعبية.. حكاية دور الصوت في حفظ الذاكرة الوطنية يعكس أهمية الجمع بين الاحتفاء بالفنون التقليدية وتوفير المساحات التي تسمح باستمرارها، لتظل الموسيقى جسرًا يصل الماضي بالحاضر، ويحمل حكايات البحرين وذاكرتها إلى الأجيال المقبلة.

 

 

 

 

 

 

اقرأ أيضاً..

البحرين توحّد إدارة الخدمات السحابية الحكومية.. ماذا يتغير في كفاءة الخدمات الرقمية؟

«دوو» و«تنامي» تفوزان بجائزة أفضل شركة ناشئة ٢٠٢٦.. ما فرص نمو الشركات البحرينية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى