سليمان الحكيم.. أخر ما كتبه قبل الرحيل يكشف وجهًا آخر للرجل

كتبت: سمر عبد الرؤوف
في الخامس من أكتوبر تحل ذكرى رحيل الكاتب الصحفي سليمان الحكيم، الذي غاب عن عالمنا عام 2019 بعد صراع مع المرض، تاركًا وراءه مسيرة صحفية وفكرية ارتبطت بالمواقف السياسية والكتابة الجريئة، إلى جانب عدد من الكتب التي تناولت السياسة والتاريخ والفن والشخصيات المصرية.
لكن بعيدًا عن صورته المعروفة كصحفي صاحب مواقف سياسية حادة، يكشف سليمان الحكيم.. أخر ما كتبه قبل الرحيل يكشف وجهًا آخر للرجل جانبًا أكثر هدوءًا وإنسانية؛ فآخر ما نشره على حسابه الشخصي لم يكن مقالًا سياسيًا أو تعليقًا على حدث عام، وإنما كتب عن المرض والتأمل في آيات الله، ثم انتقل إلى ذكريات أغاني الزمن الجميل وأصوات المقرئين الكبار، قبل أن يقدم قراءة خاصة في أداء نجاة وفايزة أحمد لعبدالوهاب.
سليمان الحكيم.. من الإسماعيلية إلى عالم الصحافة
وُلد سليمان الحكيم في الأول من يناير عام 1950 بمحافظة الإسماعيلية، ودرس الصحافة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتخرج في قسم الصحافة عام 1973.
ومنذ سنواته الأولى في المهنة، اختار الحكيم طريق الصحافة والكتابة، ولم تكن الصحافة بالنسبة إليه مجرد محطة وظيفية، وإنما أصبحت المهنة التي رافقته طوال حياته.
وترأس تحرير جريدة «الجيل»، وكتب في عدد كبير من الصحف والدوريات المصرية والعربية، كما عمل في مجلة «أكتوبر»، وكان من كتاب «المصري اليوم»، إلى جانب نشاطه في الكتابة السياسية والفنية والأدبية.
لم تكن السياسة مجرد موضوع يكتب عنه
ارتبط اسم سليمان الحكيم بالمواقف السياسية المعارضة، وكان محسوبًا على التيار الناصري، وظل متمسكًا بأفكاره الناصرية، مع انتقاده في الوقت نفسه لمن اعتبرهم يستغلون اسم جمال عبدالناصر لتحقيق مصالحهم.
لكن اللافت في سيرته أن السياسة لم تكن مجرد موضوعات يكتب عنها من بعيد، وإنما كانت جزءًا فعليًا من حياته، وتسببت مواقفه في تعرضه للاعتقال خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات.
كما عاش فترة خارج مصر بعدما غادرها إلى العراق ثم انتقل إلى سوريا، ليبدأ هناك مرحلة مختلفة تمامًا من حياته.
رفض الانضمام إلى حزب البعث.. وتدخل محمود السعدني
من التفاصيل الأقل تداولًا في رحلة سليمان الحكيم أنه عندما كان في العراق عُرض عليه الانضمام إلى حزب البعث مقابل إلحاقه بالعمل في إحدى الصحف العراقية، لكنه رفض.
وبحسب ما أوردته مصادر صحفية عن سيرته، نصحه الكاتب الصحفي محمود السعدني بمغادرة العراق خوفًا من تعرضه للتنكيل، فغادر بغداد متجهًا إلى دمشق.
وهناك التقى الفريق سعد الدين الشاذلي، الذي أسند إليه مسؤولية مكتب «الجبهة الوطنية المصرية» في دمشق وبيروت، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته السياسية والصحفية.
سليمان الحكيم أسس إذاعة من دمشق
ومن المحطات التي تكشف طبيعة حياته في الخارج أن الحكيم شارك في تأسيس إذاعة «صوت مصر العربية» من دمشق، وكانت موجهة لمعارضة اتفاقية كامب ديفيد والعلاقات مع إسرائيل.
وبذلك لم يكن دوره خلال تلك الفترة مقتصرًا على كتابة المقالات، وإنما انتقل أيضًا إلى العمل الإذاعي، مستخدمًا الإعلام كوسيلة للتعبير عن مواقفه السياسية.
وظل في دمشق لاجئًا سياسيًا حتى اغتيال الرئيس السادات، وبعدها عاد إلى مصر بعفو رئاسي أصدره الرئيس الأسبق حسني مبارك.
خلافه مع أنيس منصور.. موقف آخر في مسيرته
قبل خروجه من مصر، كان سليمان الحكيم يعمل مديرًا لتحرير سلسلة «اقرأ» بمجلة «أكتوبر».
وتذكر المصادر الصحفية أن أنيس منصور فصله من العمل بسبب موقفه الرافض للزيارات المتكررة التي كان يقوم بها بعض السياسيين والصحفيين الإسرائيليين إلى مكتب أنيس منصور في مقر المجلة آنذاك.
وتكشف هذه الواقعة جانبًا من شخصية الحكيم، الذي ظل متمسكًا بمواقفه حتى عندما انعكس ذلك على حياته المهنية.
وجه آخر للرجل.. لم يكن سياسيًا طوال الوقت
رغم ارتباط اسمه بالسياسة، فإن مؤلفات سليمان الحكيم تكشف أن اهتماماته كانت أوسع من ذلك بكثير.
فكتب عن عبدالناصر والإخوان، والفكر والسياسة، كما كتب عن الفنانة تحية كاريوكا وعلاقتها بالسياسة، وأصدر كتاب «المعاني في الأغاني»، إلى جانب «يهود ولكن مصريون»، و«نقوش على جدران الزمن»، و«أباطيل الفراعنة»، وغيرها من الأعمال.
وهنا يظهر جانب مختلف من اهتماماته؛ فهو لم يكن ينظر إلى الفن بمعزل عن المجتمع والتاريخ والسياسة، وإنما كان يبحث عن الحكايات الموجودة خلف الشخصيات والأغاني والأحداث.
«المعاني في الأغاني».. اهتمامه بالفن لم يكن عابرًا
من اللافت أن سليمان الحكيم لم يكتفِ بالكتابة السياسية، وإنما ترك كتابًا بعنوان «المعاني في الأغاني»، وهو ما يتقاطع بشكل واضح مع آخر ما كتبه قبل رحيله.
ففي أيام مرضه الأخيرة، عاد الحكيم إلى عالم الأغاني القديمة، واستحضر أسماء مثل عبدالوهاب ونجاة وفايزة أحمد، وكأنه كان يستعيد من ذاكرته عالمًا آخر بعيدًا عن السياسة والصراعات.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل آخر منشور له أكثر دلالة؛ لأنه لم يكن منفصلًا عن اهتمام قديم لديه بالفن والأغنية، بل بدا وكأنه يعود في أيامه الأخيرة إلى مساحة أحبها وكتب عنها من قبل.
آخر ما كتبه سليمان الحكيم.. المرض كشف إنسانًا مختلفًا
في آخر منشور له عبر «فيسبوك»، كتب سليمان الحكيم عن فترة مرضه الطويلة، موضحًا أن المرض أتاح له فرصة للتأمل في آيات الله، ثم عاد بذاكرته إلى أغاني الزمن الجميل.
وأشار إلى إعجابه بأصوات عدد من كبار المقرئين، ومن بينهم عبدالباسط عبدالصمد والمنشاوي، ثم انتقل إلى الموسيقى والغناء، وكتب قراءة خاصة لأداء نجاة وفايزة أحمد لأغاني محمد عبدالوهاب.
وكانت عباراته الأخيرة تحمل مزيجًا من التأمل والحنين، بعيدًا عن لغة الصراع السياسي التي اشتهر بها طوال سنوات طويلة.
والأهم أن آخر ما كتبه لم يكن مجرد كلام عن أغنية، وإنما كان يحمل تأملًا في النجاح والفشل، حين أشار إلى أن الفنان نفسه قد ينجح في عمل ويفشل في آخر.
وهكذا، في الوقت الذي كان الجمهور يعرف فيه سليمان الحكيم باعتباره صحفيًا صاحب موقف، ظهر في كلماته الأخيرة رجل يتأمل في الحياة والفن والمرض والذكريات.
«في نومة المرض الطويل».. ماذا تكشف كلماته الأخيرة؟
ربما تكمن أهمية آخر منشور للحكيم في أنه أعاد تعريف صورته بعيدًا عن العناوين السياسية.
فالصحفي الذي قضى سنوات في مناقشة الأحداث والأنظمة والشخصيات السياسية، وجد نفسه في نهاية حياته يستعيد القرآن وأصوات المقرئين وأغاني الزمن الجميل.
لم يعد الحديث عن الخلافات السياسية هو الأولوية، وإنما أصبحت الذاكرة الشخصية هي المساحة الأوسع، وكأن سنوات العمر الطويلة في الصحافة دفعته في النهاية إلى العودة إلى الأشياء التي تمنح الإنسان شعورًا بالطمأنينة والحنين.
وهذه الزاوية الإنسانية هي التي تجعل آخر كلماته جديرة بالتوقف عندها، لأنها تقدم صورة مختلفة عن الرجل الذي اعتاد الجمهور أن يراه من خلال المقالات والمواقف السياسية.
رحيل سليمان الحكيم بعد صراع مع المرض
في الخامس من أكتوبر 2019، توفي سليمان الحكيم داخل مستشفى الصدر بالإسماعيلية بعد صراع مع المرض.
وكانت ابنته إسراء الحكيم قد أعلنت خبر وفاته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، لتبدأ بعدها حالة من الحزن بين زملائه وتلاميذه ومحبيه.
وشُيع جثمانه في الإسماعيلية، وشارك في جنازته عدد من الصحفيين والمواطنين، لينتهي بذلك مشوار رجل قضى حياته في الصحافة والكتابة والتأليف.
لماذا بقي اسم سليمان الحكيم حاضرًا بعد رحيله؟
ربما يرجع ذلك إلى أن تجربته لم تكن تجربة صحفي يكتب الأخبار اليومية فقط، وإنما تجربة رجل عاش داخل الأحداث نفسها.
اعتُقل، وعاش خارج مصر، وعمل في الصحافة والإذاعة، وترأس تحرير صحيفة، وخاض خلافات مهنية بسبب مواقفه، وأصدر كتبًا في السياسة والفن والتاريخ.
كما أن كتاباته لم تكن محصورة في اتجاه واحد؛ فمن «عبدالناصر والإخوان» و«عبدالناصر والإسلام» إلى «تحية كاريوكا بين الرقص والسياسة» و«المعاني في الأغاني»، نجد كاتبًا كان يبحث دائمًا عن الزاوية التي يرى من خلالها الإنسان خلف الحدث.
في ذكرى رحيله، يبقى سليمان الحكيم.. أخر ما كتبه قبل الرحيل يكشف وجهًا آخر للرجل عنوانًا مناسبًا لاستعادة سيرة صحفي لم تكن حياته مجرد مجموعة من المقالات السياسية، بل رحلة طويلة مليئة بالمواقف والتجارب والمنفى والعمل الإذاعي والصحافة والتأليف.
لكن ربما تكون كلماته الأخيرة هي أكثر ما يكشف الإنسان الموجود خلف الكاتب؛ ففي الوقت الذي كان يعرفه الجمهور بصوته السياسي ومواقفه الحادة، اختار في أيام مرضه أن يتحدث عن آيات الله، وأصوات المقرئين، وذكريات الأغاني القديمة، وأن يستعيد من ذاكرته عالمًا ظل قريبًا منه حتى النهاية.
رحل سليمان الحكيم في الخامس من أكتوبر 2019، لكن آخر ما كتبه ترك صورة مختلفة للرجل؛ صورة صحفي هدأ في نهاية الطريق، وترك السياسة جانبًا للحظات، وعاد إلى القرآن والفن والذكريات، وكأن الإنسان في النهاية يعود إلى أكثر الأشياء قربًا من قلبه.
اقرأ أيضاً..
اليوم العالمي للحيوانات 2026.. أشهر حيوانات ارتبط بها الفنانين
ماهر عصام في ذكرى ميلاده.. وجهٌ غاب مبكرًا وبقيت أدواره في ذاكرة الجمهور




