من عالم النبوت إلى القهوة.. حكاية امرأة فرضت حضورها في حارة «سوق الأحد» ووقفت في وجه خصوم مرشحها

لم تكن الفتونة في مصر القديمة حكرًا على الرجال، فبين الحارات والأحياء الشعبية ظهرت نساء امتلكن من القوة والهيبة ما جعلهن أسماء معروفة في مناطقهن. ومن بين هؤلاء تبرز جليلة، فتوة الجيزة الشهيرة بلقب «سكسكة»، التي حفظ كتاب تاريخ فتوات مصر ومعاركهم الدامية للكاتب سيد صديق عبد الفتاح جانبًا لافتًا من سيرتها.
لكن المفارقة في حكاية جليلة أنها لم تنتهِ في خناقة أو معركة، وإنما انتهت بمحاولة تغيير حياتها بالكامل.
من النبوت إلى «المعلمة»
في عام 1957، قررت جليلة أن تترك عالم المشاجرات والفتونة، وتفتح قهوة بلدي في حارة سوق الأحد بالجيزة.
أنفقت على مشروعها نحو 500 جنيه، وكانت تريد أن تبدأ حياة جديدة بعيدة عن المشاكل، حتى إنها كانت تعبّر عن رغبتها في الابتعاد عن عالم الضرب والخناقات والعيش من عملها.
وبحسب الرواية التي أوردها الكتاب، تحولت القهوة إلى مكان يقصده أبناء البلد، بل إن بعض الغرباء كانوا يأتون خصيصًا لرؤية جليلة، بعدما ذاعت شهرتها باعتبارها واحدة من أشهر فتوات الجيزة.
وهكذا أصبحت المرأة التي عرفها الناس في ساحات المشاجرات تحمل الشيشة وتعمل في القهوة، في محاولة واضحة للخروج من حياة الفتونة إلى حياة العمل.
حتى زواجها كان له شرط غريب
كانت شخصية جليلة مختلفة حتى في حياتها الخاصة، يروي الكتاب أن زوجها عباس شاهدها ذات مرة أثناء إحدى المشاجرات، وأعجب بقوتها، فتقدم للزواج منها، لكن جليلة لم تقبل به بسهولة.
وضعت أمامه اختبارًا لقوته وشجاعته، وأخذته إلى مشاجرة وطلبت منه أن يتدخل لفضها؛ فإذا نجح وافقت على الزواج منه، وإذا فشل فلن تتزوجه.
نجح عباس في فض المشاجرة، وتم الزواج، وتروي الرواية أن العلاقة بينهما قامت على الحب والاحترام.
«فتوة» لا تدخل الخناقة لمجرد الخناق
ومن أكثر التفاصيل التي تكشف طبيعة الصورة التي ارتبطت بها جليلة في حارتها أنها، وفق ما أورده المؤلف، لم تكن تدخل المشاجرات لمجرد إثبات القوة.
كانت تدخل أحيانًا بدافع ما كان يُعرف وقتها بـ«الجدعنة» وحماية الضعيف من القوي.
وتنقل الرواية عن أهل منطقتها أن جليلة كانت تتدخل أيضًا عندما يعتدي رجل على زوجته، فإذا تأكدت من ظلمه كانت تواجهه، وهو ما جعل المشاجرات في الحارة لا تصل في كثير من الأحيان إلى الشرطة، بحسب الرواية المنقولة في الكتاب.
وهنا تظهر واحدة من المفارقات المهمة في تاريخ الفتونة الشعبية: فالفتوة لم تكن دائمًا مجرد قوة جسدية، بل كانت في بعض الروايات مرتبطة بفكرة فرض نظام محلي داخل الحي، حتى وإن كان هذا النظام خارج مؤسسات الدولة الرسمية.
جليلة في انتخابات 1950
لكن أكثر فصول حكاية جليلة غرابة جاء في الانتخابات البرلمانية عام 1950.
بحسب الرواية التي نقلها الكتاب، كان أحد أبناء الحي قد ترشح في مواجهة مرشح معروف من حزب الوفد، فانحازت جليلة إلى ابن منطقتها وبدأت حملة دعائية واسعة لمساندته لم تكن حملتها تقليدية.
كانت، بحسب الرواية، ترتدي ملابس الرجال وتضع شريطًا على صدرها يشبه ما كان يرتديه المحامون، ثم تركب عربة «كارو» وتطوف في الشوارع مع أبناء الحي، تهتف وتصفق دعمًا لمرشحها.
وهكذا خرجت جليلة من حدود الحارة إلى مساحة سياسية أوسع، وأصبح اسمها جزءًا من معركة انتخابية في زمن كانت فيه الانتخابات نفسها مسرحًا للصراع الشعبي والنفوذ المحلي.
رفضت المساومة
بحسب الكتاب، حاول أنصار المرشح المنافس استمالة جليلة إلى جانبهم، لكنها رفضت.
استمرت في دعم مرشح الحي، وهاجمت منافسه في جولاته الانتخابية، حتى إن الرواية تشير إلى أن المرشح المنافس طلب الحماية من الشرطة يوم الانتخابات، وشُكلت لجنة لمواجهة الدعاية التي كانت جليلة وأنصارها يقومون بها.
ولم تتوقف المواجهة عند ذلك، إذ لجأ خصومها إلى إطلاق لقب «سكسكة» عليها في محاولة للنيل منها والسخرية منها، بل نظموا عبارات هجائية ضدها.
لكن اللقب الذي قصد به خصومها الانتقاص منها أصبح بعد ذلك جزءًا من شهرتها.
النهاية التي جعلتها تكره الفتونة
بعد سنوات، جاءت حادثة غيّرت نظرة جليلة إلى عالم المشاجرات بصورة كاملة.
دخل أحد إخوتها في مشاجرة مع ابنها الأكبر، وتطورت المشاجرة إلى استخدام الكراسي والسكاكين، وانتهت بمقتل شقيقها مرسي ودخول أبنائها الثلاثة السجن.
وكانت الصدمة قاسية على جليلة، وبحسب الرواية المنقولة عن الكتاب، لم تحاول حماية أبنائها من العدالة، بل ساعدت الشرطة في الوصول إليهم وشهدت ضدهم أمام النيابة، لأنها كانت ترى أن الحق يجب أن يكون فوق رابطة الأمومة.
ومن هنا أصبحت تجربتها مع الفتونة مختلفة تمامًا؛ فقد دفعت ثمن عالم المشاجرات من عائلتها نفسها.
امرأة تركت النبوت.. وبقيت الحكاية
لم تكن قصة جليلة مجرد حكاية عن امرأة قوية في حارة شعبية، إنها حكاية تحوّل أيضًا: امرأة بنت شهرتها على القوة، ثم حاولت أن تستبدل النبوت بالعمل، وأن تجعل من القهوة بداية لحياة مختلفة، قبل أن تظل ماضيها يطاردها في ذاكرة الناس.
واللافت أن اسمها لم يرتبط بالفتونة وحدها، وإنما ارتبط كذلك بالانتخابات، وبالدفاع عن الضعفاء، وبحكاية زواج بدأ باختبار للقوة، ثم انتهى إلى مأساة عائلية جعلتها تنظر إلى عالم المشاجرات بعين مختلفة.
وتبقى جليلة «سكسكة» واحدة من الشخصيات التي تكشف لنا أن تاريخ الحارات المصرية لم يكن مكتوبًا فقط بأسماء الرجال، وأن وراء كثير من الحكايات الشعبية أسماء نسائية امتلكن حضورًا ونفوذًا لا يقلان عن نفوذ أشهر فتوات الأحياء.



